السبت، 15 مايو 2010

الرحيل المر

الأستاذ الجليل أحمد المصطفى إبراهيم السلام عليكم .
أستأذنك في الإطلالة عبر عمودكم للكتابة عن موت رمز من رموز هذه البلاد ألا وهو الداعية الشاب الأخ محمد سيد حاج والذي فجعت الأمة الإسلامية بخبر رحيله يوم السبت الماضي ونزل نبأ وفاته كالصاعقة على معظم أهل السودان وخيم الحزن على الجميع واعتصر الألم قلوبهم وألجمت الصدمة ألسنتهم،فاحتبست المقل العبرات عند البعض وانهمرت كالأمطار الغزيرة عن البعض الآخر ولكن ظلت الغصة المريرة تخنق الجميع بلا استثناء.
رحل – رحمه الله – وخلف وراءه مجاهداته العظيمة وسيرته العطرة التي ملأت الآفاق علماً وفقهاً وحجة ومنطقا وقبل ذلك تهذيباً وتواضعاً فكان الرصيد الضخم من حب الناس وتعلقهم به. كل ذلك وعمره لم يتجاوز الأربعين ربيعاً.
كان الشيخ رحمه الله مثالاً للداعية المتكامل فقد تحدث وبين معظم أمور الدين بأسلوب سلس ومنطق قوي وسعة أفق وبعد نظر . ليت أهل السياسة كانوا حضوراً وهو يناقش أزمة دارفور وياتي بالحل من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم والي كانت بعنوان ( موقف من السيرة – كيفية علاج الأزمات) في بداية هذا الشهر.وسمعته بإذني يخبر في أكثر من مناسبة أنه طول حياته ما أن تواجهه أي معضلة في أمور الدين أو الدنيا إلا ورجع لسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ووجد الحل هناك.
وهكذا ظل رحمه الله متنقلاً من منبر مسجده بحي الصافية مرورا بالمحاضرات والدروس ناثرا علمه عبر وسائل الإعلام المختلفة في وقت وجيز يسابق الزمن وكأنه كان يعلم أن رحلته في هذه الفانية قصيرة جداً وان محطته الأخيرة قد لاحت،لذلك وهب نفسه للدعوة وسخر جل وقته لها بدءا بعقيدة أهل السنة والجماعة ثم ما ترك شاردة ولا واردة إلا وتطرق لها تبياناً وتقريباً ووضعا للنقاط فوق الحروف .
هذا غير نصائحه المتوالية للحكام والمعارضين من أبناء هذا الوطن وقد كانت خطبته الأخيرة عن الانتخابات وختمها بسبع نصائح لمن يتولى أمر هذه البلاد التي أثخنتها الجراحات وأقعدها الفقر والمرض.
أيضاً كانت للشيخ كثير من المشاكل الاجتماعية وخاصة عند الشباب لذلك كان محبوباً أكثر عند شريحة الطلاب وقد كن يفرد لهم مساحة خاصة وله كتاب بعنوان ( مواقفي مع طلاب الجامعات) نتمنى أن يرى النور قريباً وان يجد من يتكفل بطباعته ونشره ويشارك في هذا الثواب العظيم.
ظل رحمه الله طول حياته ناصحاً لا يخشى في الحق لومة لائم رد على أهل البدع والضلال وأصحاب الأهواء والمناهج المنحرفة كل ذلك بأسلوب جميل تميز به وحده دون سائر الدعاة لذلك أحبه أهل السودان بلا استثناء وبكاه مخالفيه قبل محبيه وما تسابق الناس على لتشييعه إلا دليل على ذلك.
لم أره يوما عابساً أو متبرماً أو ساخطاً فقد منحه الله البشاشة والطلاقة والابتسامة التي لا تفارق محياه .ترك رحيل الشيخ وجعا وحزنا وأظلمت الدنيا أمام الكثيرين من الحادبين على شرع الله تعالى.
اللهم إن عبدك محمد سيد حاج بين يديك فاغفر له يا رب وأحسن مثواه وأكرم وفادته واجعل قبره روضة من رياض الجنة.
د.هشام مجذوب محمد عثمان

صحيفة التيار ابريل 2010 م

ليست هناك تعليقات: