السبت، 26 فبراير 2011

الإعفاء والمحاسبة





يقول قدامى المدرسين «مَن أمِن العقوبةَ ساء الأدب».
في منتصف ستينيات القرن الماضي وفي المدرسة الثانوية حديثة الإنشاء أو في واحدة مما كان يعرف بمدارس طلعت فريد وهذه قطعاً تحتاج شرحاً وأنا جاهز. كانت المدارس الثانوية التي تركها الاستعمار الشهيرة حنتوب ووادي سيدنا وخور طقت وكان أمر إضافة مدرسة ثانوية أمر تهابه الحكومات الحزبية بعد الاستقلال، وجاءت ثورة 17 نوفمبر وتولى وزارة التربية اللواء محمد طلعت فريد في حكومة الفريق إبراهيم عبود فأمر بإنشاء 7 مدارس ثانوية دفعة واحدة وكان الأمر غريباً غربة افتتاح جامعات هذا الزمان.
هذه المدارس لم تكن في رسوخ القديمة ولكنها أدت الغرض. ونفوس كل الطلاب تهفوا للمدارس القديمة والشقي من كان نصيبه واحدة من مدارس طلعت فريد، في واحدة من تلك المدارس تلفَّظ أحد التلاميذ بلفظ سيء وأقسم مدير المدرسة أن لا يبقى هذا التلميذ في مدرسته. فما كان من الوزارة إلا أن نقلته إلى حنتوب الثانوية.
خوش عقوبة كما يقول العراقيون.
في أنباء الخميس أن قراراً جمهورياً أعفي بموجبه وزير الدولة بوزارة الصحة ولحقه أمر بإعفاء وكيل وزارة الصحة. إلى هنا والحل مقبول بل هو المطلوب لما وصلت إليه العلاقة بين الرجلين التي عطلت مصالح العباد وأضرّت بسير الوزارة.
غير أن هذا ليس كل الحل، لابد من محاسبة علنية وأن يراجع كل ما كان يؤخذ على الرجلين، خصوصاً في أمر العقودات وخصخصة المرافق الحكومية وعقود الإدارات التي أثارت كل هذه المشاكل وإلا ماذا يستفيد الشعب السوداني الذي حولت ممتلكاته العامة لأشخاص ليتاجروا في الشعب بمال الشعب في صحة الشعب؟
بل أذهب أكثر من ذلك كل التعينات للمرافق التي تمت في عهد الوكيل تحتاج مراجعة كيف تم اختيار هؤلاء وبمشورة من؟ وما هي الضوابط والشروط لكل وظيفة وما تستحق الطرح العام هل طرحت عبر لجنة الاختيار العامة؟
ربما أذهب أبعد وأقول كل ما دار في لجان إضراب الأطباء نواب الإختصاصيين يجب مراجعته، من عدم التزام بالعهود إلى الخصومات المالية التي يشكون منها. ربما لم يكن الوكيل هو المتسبب الوحيد فيها ولكن يجب أن يعرف نواب الإختصاصيين أين ذهبت حقوقهم ووعودهم ومن عطّل توصيات اللجان.
ولكي تسيّر هذه الوزارة المهمة لابد أن تعمل بنظام وليس بناءً على مزاج وحظوة الأفراد ، إذا كانت الدولة كلها فقيرة إلى النظام system فلنبدأ بهذه الوزارة توصف كل صغيرة وكبيرة فيها حتى لا يحكم فيها كل بمزاجه، لا تترك شاردة وواردة إلا وضع لها نص قانوني أو لائحي لا يتعداه أتخن تخين وإلا حوسب وعوقب.
ولكن في لحظة إحباط لنفرض أن هذه الوزارة صارت مثالاً للنظام من حيث التوصيف والقوانين واللوائح ، متى تلحق بها الأخريات.
يا عالم كلها عايزة مراجعة.

الخميس، 24 فبراير 2011

محافظ بنك السودان بين الإعفاء والتمديد




أترك المجال اليوم لعلم من أعلام الإدارة البروفسير عثمان البدري وكفى.
أولاً، دار في الآونة الأخيرة جدل حول: هل يحدد عقد محافظ بنك السودان المركزي أم لا أرى أنه من الأوفق إعفاؤه وكل من قضى دورتين في موقعه سواء أكان في مواقع رسمية تنفيذية أو تشريعية أو أهلية أو نقابية أو حزبية أو طوعية أو طائفية بأجر أو بدون أجر.
ليس هناك معنى للتجديد بل بقي ما يكفي. وشهدت فترته فشلاً كبيرًا في أداء القطاع النقدي والارتفاع الباهظ في مصروفات القطاع والتعثر الكبير الأمر الذي يدلُّ على ضعف الرقابة والتنظيم وهي المسؤولية الأساسية لبنك السودان. ووظيفة المحافظ ومساعديه حيوية وخطيرة وتهم كل مواطن وهي ـ على الأقل ـ تدير شطر الاقتصاد المؤثر فلماذا لا يطرح المرشحون لها على العامة حتى يعرف الناس من هم وما هي سياساتهم المتوقعة وكيف بدأوا وكيف انتهوا ونحن أحقُّ بهذا من الأمريكان.
من المهم أن نعرف هل هم من المخلصين لسياسات المدرسة النقدية، مدرسة العرض التي تبناها صندوق النقد الدولي ومشايعوه التي أنتجت الاستقطاب الحاد في المجتمعات التي نتجت عنها الأزمة الاقتصادية العالمية وما تلاها من إعادة النظر فى مجمل الفكر الاقتصادي وقد أدى تطبيق هذه النظريات في العالم الأقل نموًا إلى ما نشهده هذه الأيام من اضطرابات.
لقد بدأت تقريباً كل الدول إعادة النظر جذرياً في ما يعرف بإطلاق حرية السوق ووضع الحبل على غارب ما يسمى بالقطاع الخاص.لقد أدت هذه السياسات إلى ما لا يحمد عقباه، لقد أعادت إمبراطورية النظام الرأسمالي النظر في مجمل سياساته الخاصة بذلك.ونريد أن نعرف ماهي توجهات رصفائه في وزارة المالية والاقتصاد حتى نعرف ماذا نتوقع وحتى يهلك من هلك عن بيّنة و يحيا من حيي عن بينة.وهذه أمر أساسي لمعرفة السياسة الاجتماعية لأن أس السياسة الاجتماعية هو السياسة الاقتصادية وتوجهات القائمين عليها.
كون محافظ بنك السودان وظيفة تعاقدية فهذه بدعة لأن وظيفة محافظ البنك المركزي في أي دولة وظيفة سياسية كبيرة وخطيرة جداً وهي في مستوى وزاري وهي وظيفة موجودة في هيكل بنك السودان وهي وظيفة هيكلية وكذلك وظائف الوزراء والوكلاء وغيرهم وإن كانت هناك وظائف تعاقدية على هذا المستوى فهي بدعة وبدعة ليست حميدة. وإن كانت ولا بد فلتكن للخبراء والمستشارين الذين لا يتطرق الشك لمؤهلاتهم.
وبالتالي فإنها ترفع تكلفة بقية الوظائف.الهيكل وهي تحدث خللاً كبيراً في الجهاز الحكومي، إن مخصصات رئيس بنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي أقل من مخصصات الوزراء و هي أقل من نصف مخصصات الرئيس الأمريكي.
أرى أن أي شخص قضى دورتين في وظيفة قيادية سواء أكانت إتحادية أو ولائية أو حتى على مستوى اللجنة الشعبية أو المنظمات الطوعية مدنية أو دينية يجب أن يذهب مُحسناً كان أو مسيئاً.
السياسة النقدية للدولة ومحورها بنك السودان وعلى رأسه المحافظ أحد أهم ركيزتين في السياسة الاقتصادية للدولة ونعني بهما السياسة المالية التي تديرها وزارة المالية والسياسة النقدية التي يديرها بنك السودان بعد أن انفصل البنك عن المالية وهذا يجب إعادة النظر فيه.والسياسة النقدية تتحمل مسؤولية كثير من فشل السياسات الاقتصادية في البلد وأهمها:ـ
أ. ضُعف الضوابط في النظام المصرفي وأسواق المال عموماً «الجوكبة مثالاً».
ب. التدني الكبير في القيمة التبادلية للعملة الوطنية والانخفاض الكبير في أرصدة البلاد ومن النقد الأجنبي بعد أن وصل أرقاماً كادت تغطي واردات «3 ـ 4 أشهر».
ج. السماح بتهديد موارد البلاد من النقد الأجنبي.
يجب إدارتها إدارة رشيدة وهذا يستدعي إعادة هيكلة السياسة النقدية وأجهزتها والقائمين عليها بالكامل في كل مفاصلها «محافظ البنك ومساعديه وأجهزته الرقابية وسياساته».
د. عثمان البدري عبد الله

عــــودة القطـــــن




ونعود لهمنا القديم.. كدت أقول الحمد لله الذي أذهب البترول لتعود الدولة للزراعة، ولكن بما أن رحمة الله واسعة اللهم ارزقنا بترولاً نوظفه للزراعة وليس للسفاهة.
في مكتب مشروع الجزيرة بالأمس الإثنين 21 /2/2011 م انعقد مؤتمر صحفي للخطة التأشيرية لموسم 2011 ــ 2012 المؤتمر كبير وما قيل فيه كثير وخطة واسعة يمكن أن يجدها من يريد تفاصيلها على موقع مشروع الجزيرة على الإنترنت.. لكن همي اليوم منها ما سمعناه وما قيل عن القطن وسأحصر هذا العمود في القطن.
لا شك أن القطن من المحاصيل الزراعية عالية القيمة ونحن المزارعين نعرف فوائده المباشرة وغير المباشرة، فهو قطن وهو بذرة قطن منها زيت الطعام الذي طارت أسعاره هذه السنة ومنها الأمباز من أغنى أنواع الأعلاف الطبيعية وهو زغب منه صناعات معروفة لكثير من الناس ــ أنا لست منهم ــ وهو علف على مراحل ورقي وسيقان وهو محرك اقتصادي يحيل الحياة كلها لحراك من عمال زراعة إلى عمال حرث إلى عمال حصاد وفي كل مراحله هو محرك اقتصادي رهيب.
لماذا تركه المزارعون وهم يعرفون كل هذه الفوائد؟
القطن من المحاصيل التي تأخذ زمنًا طويلاً 8 شهور تقريباً وعملياته كانت كلها يدوية وشاقة ولم تتطور، هذا سبب والسبب الآخر كان عدم الشفافية «والدغمسة» تلازمه ملازمة U لل Q فالمزارع لا يعرف بكم تم بيعه ولا تكلفته وباختصار هو آخر المستفيدين منه، هذا إن استفاد.
في هذه السنة ارتفعت أسعار القطن عالمياً «وكل حاجة ارتفعت حتى الكراسي» وكانت الأسعار مغرية جداً آخر معلومة عندي أن سعر القنطار وصل إلى 650 جنيهًا وشركة السودان للأقطان التي هي ملك للمزارعين أرادت أن تجبر المزارعين على أن يبيعوه لها بمبلغ 400 جنيه لولا لطف الله. الآن عادت الشركة حسب ما قاله «صديقنا» الدكتور عابدين محمد علي مدير شركة السودان للأقطان قال في المؤتمر ستدخل الشركة بعلاقة إنتاج معلومة ومكتوبة وبعقد وهذه لأول مرة.. في السابق كانت تنشر العلاقة في الهواء الطلق وعندما لا تتحقق الأحلام تهرب الشركة وتترك المزارع يدفع الخسائر أو تسجل عليه.
لم نطلع على ما سيوقع عليه المزارعون من عقد بين الشركة والمزارع ولكن من هنا أتمنى ألاّ يكون في العقد إلزام للمزارع ألاّ يبيع إلا للشركة.. وبما أن الشركة ملك للمزارعين أو هذا المفروض لماذا تمنعهم الفائدة عندما يجدون أسعارًا أفضل عند غيرها.. على المزارع أن يرد للشركة كل تمويلها هذه مقبولة.. أما أن تشتري منه بسعر أقل فهذه تحتاج إلى فهّامة، لماذا تزعل الشركة لو أن أرباحها أصلاً راجعة للمزارع وليس في أجندتها غير مصلحة المزارع؟
وأمنية أخرى أتمنى أن تكون العقودات مع المزارعين أصالة وليس بالوكالات الممثلة في الاتحادات الفرعية أو الروابط فالمزارع كائن عاقل.
أسأل الله أن يعود القطن متطورًا زراعة ومحصولاً ومكننةً وحرية بيع لمن يدفع أكثر.

الثلاثاء، 22 فبراير 2011

مفوضية الفساد، لماذا؟



أتمنى أن لا يكون خطر ببالك بعد قراءة العنوان أنني أريد أن أقول لا يوجد فساد يستحق مفوضية. «معقولة بس»!!.
وعد السيد رئيس الجمهورية بعد صلاة الجمعة وعلى الهواء مباشرة: أنه سينشئ مفوضية لمحاربة الفساد أو لمتابعة الفساد أو للتقصي في الفساد لم أكن هناك حتى أعرف النص بالضبط لكن المعنى واضح.
اتخاذ القرار بهذه الطريقة يحتاج مراجعة، الرئيس ـ حفظه الله ـ له أربعة عشر مستشاراً كل منهم له مخصصات سنوية تبني مدرسة وتحفر بئر ومركز صحي لم يشاورهم في هذا الأمر، وإلا لما خرج مثل هذا من المسجد. السيد الرئيس له 79 وزيرًا اتحادياً واتخذ قراره في المسجد. السيد الرئيس له حزب فيه من الدوائر واللجان ما لا يعلمه إلا الله ومن ورائهم خرج لنا بقرار من المسجد وفي يوم إجازة.
المفوضية لماذا؟
أليس هناك ديوان مراجعة عامة؟ أليس هناك وزارة عدل؟ أليس هناك نيابة مكافحة الثراء الحرام؟ أليس هناك قضاء مستقل؟ أليس هناك صحافة كل يوم تنشر فسادًا أو رائحة فساد. لماذا المفوضية وما عمل هؤلاء إن لم يكن هو محاربة الفساد؟
هذه المفوضيات بدعة تحتاج مراجعة وما هي إلا تكرار لعمل توجد وزارة متخصصة له مثلاً النهضة الزراعية لماذا؟ ألا توجد وزارة زراعة ووزارة مالية ووزارة ري ووزارة تجارة خارجية؟ ما هو الابتكار الذي ستقوم به النهضة الزراعية؟
هذه الصحف ومن صميم عملها بعد رفع الوعي العام أنها مرآة للجهاز التنفيذي ليرى وجهه من خلالها. لماذا لا تحقق الجهات العدلية في ما تكتبه الصحف؟ ديوان المراجع العام كل سنة يخرج بتقرير تدمع منه العيون ولا نسمع بمحاسبة ولا عقوبات وأحيانا يخرج علينا المجلس الوطني بعد تقرير المراجع العام بأن هناك جهات رفضت تقديم حساباتها للمراجع العام ولا يسمي هذه الجهات ويبدأ الاجتهاد وقد يزيدها المغرضون جردلين تلاتة.« العبارة المالوفة كوزين تلاتة ولكن لما للكلمة من دلالة أخرى بدلناها لجردلين».
سيدي الرئيس ما أكثر الأجهزة المتخصصة التي يمكن أن تقوم بهذا العمل محاربة الفساد أو كشف الفساد أو التحقق من الفساد الذي تضج به الصحف يومياً. على سبيل المثال لا الحصر ذكر صديقنا علي يس في عموده «معادلات» أن ديوان الزكاة يصرف أموال الزكاة في غير مصارفها المنصوص عليها في كتاب الله وضرب لذلك مثلاً مستنده تحت يده وذكر رقم الشيك ومبلغه والموقع عليه والمسحوب له ولم نسمع بتحقيق في ديوان الزكاة؟ هذا الديوان كتبت عشرات الأقلام فيه والفادني يتربع على عرشه أكثر من عشر سنوات يفعل ما يشاء يبني معهد علوم الزكاة بمليارات الجنيهات ومن أموال الزكاة ولا يسأله أحد عن مصير المعهد، وكثير كثير، تلوكه الألسن في المجالس الخاصة وعلى مواقع الإنترنت يحتاج تحقيقاً ومحاسبة وكشفاً في ديوان الزكاة وفي كثير من أجهزة الدولة.
سيدي الرئيس، لا داعي لهذه المفوضية فقط أطلقوا يد الأجهزة المتخصصة.
وأبدلوا شعار«خلوها مستورة»، بشعار «خلوها مكشوفة».

السبت، 19 فبراير 2011

ما أجمله من شرط عضوية حزب!!






مصر تعلِّمنا ونتعلَّم منها رضينا أم أبينا. في أخبار الأيام القليلة الماضية كوّن شباب الثورة المصرية حزبهم ومن أول شروطهم أن لا يزيد عمر العضو على خمسين سنة.
«أيه الهنا دا كلو يا أولاد» هؤلاء شباب عرفوا علة السياسيين وجاءوا من الآخر كما يقولون في لهجتهم الدراجة «تعال من الآخر يا بيه». السياسيون في العالم الثالث معظمهم بلا مهنة أو بلا وظيفة أو لا يريد أحدهم أن يعود لوظيفته التي جاء منها بعدما اكتشف الكثير من إدارة السياسة للمال والسلطة. في العالم الغربي يقضي الرئيس أو العضو دورته ويعود لجامعته محاضرًا أو لمكتبه أو لمزرعته أو يجلس ليكتب مذكراته. وهذه عودة حقيقة فيوم كان يشغل المنصب السياسي رئيساً أو عضوًا محرمة عليه التجارة وهو في هذا المنصب.
لكن سياسيي العالم الثالث لا يتعلمون التجارة ولا تحلو لهم إلا بعد المنصب السياسي ليغذوها من ثدي الدولة بأفضلية العطاءات هذا إذا وجدت عطاءات. أو إذا كان بعضهم يدعي الورع لا يمارسها مباشرة ولكن عن طريق أقاربه بعد أن يهيئ لهم الأرضية الصالحة ويعرف كل موظفي الدولة علاقة السياسي بالشركة الوليدة.
لكل تلك الأسباب تجد السياسيين يترأسون أحزابهم عشرات السنين. لا بل عندنا لا يزيحه عن رئاسة الحزب إلا الموت وحتى هذا يتأخر كأنه بناء على رغباتهم ، ولا يقبل التنازل ولا لولده او ابنته ناهيك عن ابن عمه أو عمه أو عضو حزب عادي.
«يا عمي دول ملزأين أوي».
أما الرؤساء ـ أجارك الله ـ فلعشرات السنين ولم يشبعوا ولم يتعبوا، يا شباب مصر خمسينكم التي تطالبون بها جاركم قضى 42 سنة حاكماً ولم يشبع والبقية معلومة.
هؤلاء الشباب اكتشفوا علة العصر وعلة العالم الثالث على الأخص وهي «الكنكشة» في الكراسي كبرت أو صغرت ولا مكان لتعاقب الأجيال ولا تبادلها ووضعوا هذا الشرط « لا يزيد عمر العضو عن خمسين سنة». رغم أن الحزب ليس سودانياً ورغم أن الشرط لا ينطبق عليّ ولكنني فرح به إذ ستوصله الرياح إلى هنا يوما ما.
يا سادة أحزابنا ألم تملوا ؟
أما سئمتم هذا التكرار؟
لن تحدث فوضى ولن تقوم الساعة بتغيير الوجوه؟
يا سادتي جرِّبوا ولو إجازة سنوية يا أخوانا أنتو الناس ديل ما عندهم إجازات سنوية؟ وشوفوا من سيموت من غيابكم؟ وأي مؤسسة تنهار بغياب فرد هذا دليل قاطع على أنها مؤسسة الفرد الواحد وهذا أس بلاء مشهور.
يا عالم استلفوا لنا هذا الشرط ودعونا نطوره بطريقة جديدة. بهذه الطريقة كل من أقسم مرتين أمام الرئيس أو أمام رئيس القضاء يطلع بره.
كفاية يا عالم.

الخميس، 17 فبراير 2011

يا إخوان مصر لا تحكموا؟






أعلم أن بين «الإخوان المسلمون» في مصر علماء وعقلاء كثيرون وليسوا في حاجة إلى نصحي وما هذا إلا تنفيسًا من جانبي.. غير أني أعلم أن العقلاء لا يسمعهم السياسيون ولا يحبونهم، أليس عبد الرحيم علي من بين عقلائنا؟ هل يسمعه أحد؟
قبل أن تفكروا في الحكم، أمامكم تجربتان من حكم الإخوان المسلمون واحدة في تركيا وأخرى في السودان.. بدأ الأتراك بما ينفع الناس، حاربوا الفساد وأنعشوا الاقتصاد ودحروا البطالة وصارت تركيا دولة يُحسب لها ألف حساب، لم يجعجعوا ولم ينشروا الأماني في المكرفونات ولم يُدخلوا الناس المساجد ودخلوا الأسواق، بل بنوا دولة محترمة في سنوات غير طويلة حققوا ما أرادوا من أيديولوجيتهم وهزموا مؤسسات العلمانية بسلاحها بالانتخابات وإقناع الناس.
دستور أتاتورك كان كالكتاب المقدس لا يقربه أحد والمؤسسة العسكرية لا يعلو صوت على صوتها.. ولكن بأهداف بعيدة ونوايا صادقة قام إخوان تركيا بلعب بولتيكا حيرت العالم فهم مسلمون ويجيدون التفاوض مع الغرب ومع إسرائيل ولا ينسون رسالتهم ولا يتنازلون عن مبادئهم لحظة.. يفعلون كل ذلك وخلفهم جبهة داخلية قوية لا نقول كلها راضية عنهم ولكن الأغلبية راضية عنهم بعد ما رأت من صدقهم.
تجربة الحكم ليست سهلة ما لم تُعط حقها في كل عناصرها - ولقد وقع في فخها كثيرون ما إن يصعدون على الكرسي إلا وتتباين الأهداف والوسائل، وأحاط كل من أفراد الحكم قناعاته بما يحميها من الوسائل والتبريرات والرجال. وبعد زمن يطول أو يقصر ينفرد تيار بما يرى وليس بما يجب وتصبح الأسماء فوق المبادئ.. وفي سبيل البقاء لا يعدم من يزين له كل ما يريد ويقبض الثمن بشكل أو آخر. وفي سبيل البقاء تتنزل التنازلات تترى.
الحكم يحتاج إلى مؤسسات حقيقية وليس أشخاصًا.. أجهزة قابلة للتطوير والمحاسبة والمراجعة.. وشفافية تامة يكون المواطن محورها يملك كل حقيقة تهمه «طبعًا لا نريد الإستراتيجيات العسكرية في الصحف لكن إذا ما أقام وزير الجيش أبراجًا فيجب أن يعرف الشعب مصدرها ومبالغها وأولويتها».
الحكم يحتاج مؤسسات إذا قالت الصحف «هنا فساد» قامت قيامة الجهاز التنفيذي ولم تهدأ نفسه إلا بعد أن يُملِّك الناس الحقيقة كاملة ويلقى الفاسد والمفسد عقابًا يسمع به القاصي والداني من أجهزة عدلية لا يساور الناس فيها شك في حياديتها ونزاهتها.. أجهزة لم تسمع بمفردة «خلوها مستورة».
يا إخوان مصر لا تدخلوا الحكم إلا بعد أن تعدوا له كامل عدته من خطط ورجال الدنيا ليست همهم.. حتى لا يقول الشامتون في الإسلام ما هو منه بريء.

الأربعاء، 16 فبراير 2011

مهن بلا تدريب ولا شهادات



دخلت محل الحلاق التركي فاستقبلني شاب أنيق المظهر، راقي المسلك، وبعد التحية والابتسام تقدم نحوي قائلاً «تفضل يا عم كيف يمكنني مساعدتك؟».. فقلت له أريد تخفيف شعري لو سمحت.. أخذ السترة من يدي ووضعها على الشماعة.. ثم أجلسني على الكرسي وطرح عليّ جملة من الأسئلة حتى يتمكن من إتقان الخدمة المطلوبة.. نظرت حولي فوجدت المكان مهيأً بكل ما يلزم من أدوات المهنة ناهيك عن النظافة والأناقة والتنظيم الدقيق في كل أرجاء المكان.. قلت في نفسي يا سبحان الله من أين تعلم هذا الشاب كل هذا الاحترام لمهنته؟ ولكني استدركت: إنه التدريب ولا شيء غيره.. وبينما كان الشاب يقوم بعمله بكل دقة ظللت أفكر في أمر بني وطني من أصحاب المهن والحرف الذين تعوزهم ابسط قواعد السلوك المهني التي تتناسب مع هذا العصر حيث صار كل عمل مرهونًا بالقدر الذي يتلقاه الشخص من تدريب في مجال عمله من لحظة استقبال الزبون أو العميل وحتى تقديم الخدمة الضرورية بدون «صرة وجه أو تكشيرة» تنفِّر الناس.. فالعمل لم يعد ذلك الواجب الثقيل على النفس الذي يؤديه الإنسان لكسب العيش، بل هو مهارة وفن يحتاج إلى قدرات عالية وصقل للتجربة حتى يستطيع الشخص المنافسة، وكل ذلك لا يتحقق إلا عبر برامج تدريب مكثفة تفضي إلى اكتساب صاحب المهنة كافة المهارات المطلوبة في سوق العمل بدءًا بسلوكيات المهنة وأخلاقها علاوة على أساسيات المهارة المهنية والفنية التي لابد منها لإتقان الحرفة أو المهنة.. من المؤسف أن السودان لا يزال متخلفًا في التدريب في المجالات كافة بما في ذلك الحرف البسيطة كالحلاقة مثلاً؛ بينما نجد دولاً مثل تركيا والمغرب وغيرها قد أنشأت معاهد على مستوى عالٍ لتدريب الشباب في هذا المجال ولذلك أتقن هؤلاء مهنتهم حتى صارت تجذب العملاء من كافة الجنسيات والكل راضٍ عن سلوكهم و أدائهم ويكسبون دخلاً يوازي ضعف دخل أمثالهم من السودانيين.. وهذا الكلام ينطبق على كافة قطاع الخدمات فلو أنك دخلت مطعماً لبنانياً أو تركياً لرأيت فرقاً كبيراً نظراً لما نفتقده نحن في مطاعمنا السودانية.. فالنادل اللبناني يبهرك بزيه الفاخر وأسلوبه الرائع ويعرض عليك قائمة الطعام بألوان جذابة حتى كأنك تنظر إلى الطعام نفسه.. لذلك صارت المحلات والمطاعم السودانية لا يرتادها إلا السودانيون وفشلت تماماً في المنافسة لانعدام التدريب والتجربة وكل شغلنا «جربندية» لا تقوم على خبرة فعلية ولا تدريب.. من جانب آخر لا يمكن مقارنة الفني السودان سواء في مجال السيارات أو التمريض بنظيره الفلبيني مثلاً فهؤلاء يقوم عملهم على تدريب متقدم وفي معاهد معتبرة تمنحهم شهادات في تخصصات محددة وجماعتنا مبلغ علمهم التلمذة على يد من سبقوهم في المهنة فقط. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: من المسؤول عن هذا كله؟ على الجهات ذات الصلة وضع برنامج تدريب فعّال وناجح إن هي أرادت تأهيل مواطنيها للمنافسة في سوق العمل محلياً وإقليمياً وحتى ذلك الحين يظل التدريب مطلباً شعبياً في الحالة السودانية عموماً.
أ. محمد تجاني عمر قش
تعقيب:
سمعت مرة من والي الخرطوم في مؤتمر صحفي أنه لن تكون هناك مهنة بلا رخصة معلقة في المحل.. أين ذهب ذاك الوعد الذي كان بلا سقف زمني.

الثلاثاء، 15 فبراير 2011

د. تاج السر أين الإستراتيجية؟




ما ذُكرت الإستراتيجية في السودان إلا وذُكر الدكتور تاج السر محجوب.
وسمعنا بإستراتيجيتين: ربع قرنية، وخماسية.. الخماسية هذا عامها الأخير 2011 وليس كما هو مكتوب في اللوحات التي على طرق المرور السريع 20011 فذاك زمان لن يحضره تاج السر ولا الذين عينوه. بالله لو سألنا كيف توضع الإستراتيجية؟ ومن يقوم على تنفيذها؟ ومن يراقبها ومتى تو،ضع؟ دون أن أرى جدولاً زمنيًا ولا خطة الإستراتيجية ولا أعرف المقر الذي يكون فيه واضع استراتيجياتنا على الورق ـ هذا إن أحسنا الظن وقلنا إن هناك استراتيجيات ولكن لم ينفذها أحد.. واقع حالنا يقول ليس هناك إستراتيجية لا ربع قرنية ولا خماسية ولا سنوية حتى.. كيف تكون هناك إستراتيجية وكل شيء يفاجئنا وكأننا نسير في غابة من الغابات الاستوائية؟
أي إستراتيجية والسياسات تُبتكر من داخل الصيوانات والمنصات وفي الهواء الطلق وبين حشود الجماهير؟ بالله كيف هذا التبايُن وماذا حدث فيه خلال إستراتيجية تاج السر محجوب؟
في قرية من قرى الجزيرة عمارة من خمسة طوابق تشكو الغربة وعدم الاندماج مع ما حولها أليست الخرطوم مثل هذه العمارة؟ أين الإستراتيجية التي تجعل التنمية متوازنة؟ وتردم الهوة بين الفيلا والقطية؟ أين الإستراتيجية التي تحدد الأولويات؟ كباري على النيل لا تسير عليها إلا الحمير وآخرون يبحثون عن ماء الشرب بالحمير لنصف يوم.
الزراعة تُنسى لعشرات السنين والبترول بين أيدينا تتحول عائداته إلى سيارات وأثاثات وحلويات والأرض تشكو البوار سنين عددا.. ولا يلفت تاج السر ولا إستراتيجيته فاتورة منتجات الألبان التي وصلت في عام 2008 إلى 212 مليون دولار أي سفاهة هذه والله لو صرفنا 12 مليون دولار على الزراعة لشربنا وشرب جيراننا لبناً طازجاً نظيفاً.. وابحث عن فاتورة 2009 و2010 ولا مجيب أفيدونا أمدونا أفادكم الله.
بالله عليك يا تاج السر انشر إستراتيجيتك الخمسية في وسائل الإعلام وأرنا ماذا وضعت وما الذي نفذ منها وما أسباب عدم التنفيذ حتى نخرجك من اللوم ولا نحسبها عليك.. نحن في العام الخامس للإستراتيجية أرِنا هل هي إستراتيجية قوات مسلحة ومكتوب عليها «ممنوع الاقتراب و التصوير» بالله هل اختفت هذه اللوحات مع قوقل ايرث؟ الذي لا يستأذن أحدًَا للتصوير؟
تاج السر ـ نحن الشعب ـ بيننا وبينك الإفصاح عن إستراتيجيتك علنًا وفي وسائل الإعلام.. حالنا يقول إننا نعمل بلا إستراتيجية وما أمر عدم توازن التنمية ببعيد؟
نريدها مكتوبة ومنشورة وبجداولها ما نفذ منها وما لم ينفذ لنعرف أين العيب؟ فحالنا لا يسر، حتى العدو شامت على بوار أرضنا وفقرنا والنيل والأنهار من تحتنا.
هذا وإلا فالسكوت والاعتراف بأن كل من يسمع كلمة استراتيجية فليرمها بنعاله أو يرش عليها علبة بخاخ بوهية حتى لا نقرأ يوميًا إستراتيجية إستراتيجية والواقع لا يصدق ما نقرأ.
تاج السر ما لم تكن إستراتيجيتك لها نصيب من اسمك انشرها علنًا وبرئ نفسك من ألسنة خلق الله.

الصمغ العربي فتح جديد




كل معلومات الطفولة عن الصمغ واستخداماته، أن (المشاطات) يستخدمنه عند (المشاط) ليثبت به الشعر. ترجمة: (المشاطة هي التي تقوم بتضفير شعر النساء ضفائر.. يعني بتاعة كوافير بلغة هذا الزمان). واستخدام آخر في مواد البناء، حيث يخلط مع الرمل ليثبته على الجدران في وقت كان الاسمنت فيه حق الحكومة فقط. واستخدام ثالث يضع في (الدواية) باعتباره واحداة من أهم أدوات صناعة الأحبار مع السناج (السكن) ويسمى المخرج عماراً.
( لمن أكتبلك وداعاً قلبي ينزف في الدواية)
قضينا يوم الأربعاء الماضي 9/2/2011م في يوم صمغي برفقة مجلس الصمغ العربي، فالرحلة إلى ولاية سنار كانت كلها حديثاً عن الصمغ، فما أن تلتفت إلا وتسمع جديداً عن الصمغ، فوائده الغذائية والدوائية. وما أمر د. عصام صديق والصمغ ببعيد، هذا الرجل الذي جعل رسالته الثانية بعد (البكور) هي أن يكشف كل مستور عن الصمغ، ولا يخالطه أدنى شك بأن المنَّ المذكور في القرآن هو الصمغ، وعصام اتبع القول بالعمل، وأنشأ مصنعاً للصمغ وأخرج منه علباً في غاية الزهو توضع في الصيدليات جنباً إلى جنب مع أشهر شركات الدواء اهتماماً بالتعليب. وزاد على ذلك اتصالات خارجية ومؤتمرات عديدة وأوراقاً علمية وبحوثاً ليثبت فوائد الصمغ العربي ويستخرج أسراره، ويثبت أيضاً أن أمريكا يوم فرضت عقوباتها على السودان استثنت الصمغ العربي الذي لا تستطيع الاستغناء عنه.
وفي رحلتنا تلك مع د. تاج السر مصطفى رئيس مجلس الصمغ ود. عبد الماجد عبد القادر أمين مجلس الصمغ والوفد الكبير حساً ومعنىً، علمنا أن الطلب على الصمغ في تزايد، وجهات كثيرة علمت ألا بديل للصمغ غير الصمغ وتريد الصمغ . وفي هذا العام ارتفع سعر القنطار من (100) جنيه إلى (250) جنيهاً، وهذه تزيد دخل المنتجين (يصعب أن تقول مزارعي الصمغ كما القطن، وهذا موضوع آخر).
ماذا قدم مجلس الصمغ للمنتجين؟ وماذا يريدون منه؟
بدأ في تقديم الإرشاد وتشجيع المنتجين بعدة طرق، منها أنهم فقراء ويحتاجون إلى تمويل متواضع يكفيهم زاد أيام العمل، مجرد أكل وماء ليقوموا بعمليات (الطق) والجني، وجني الصمغ أكثر إيلاما من جني القطن، لأن أشجاره شوكها حاد ومؤلم، لذا أعانهم مجلس الصمغ بشنطة فيها بعض المعينات من فأس و (بوت) يقي الرجلين، وفي الطريق وسائل وملابس تتناسب والمهنة.
وتحدث د. تاج السر طويلاً عن الصمغ وإقبال العالم عليه، وركز على أن كل همه هو استقرار الإنتاج واستقرار الأسعار. وبشَّر المنتجين بأنهم إذا ما أثبتوا جديتهم في توفير الصمغ باستمرار وكلما كان نظيفاً كان العائد أكبر، فهذا ليس لولاية سنار وحدها، ولكن لكل مكان فيه صمغ، وطبعاً ناس شمال كردفان رواد في ذلك.. أليس كذلك يا باشمهندس كباشي النور؟
إبداع الشباب لا ينتهي، فمهندس تخرج في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا اسمه خالد فاروق، اخترع آلة لجني الصمغ في غاية البساطة والأهمية، والمؤسف أنها حتى الآن لم تجد جهة تنتجها بشكل تجاري.. «م» خالد فاروق، لو كنت مغنياً أو لاعباً لتهافتوا عليك ليلاً ونهاراً. لك الله يا بلدي.

السبت، 12 فبراير 2011

محمد المكي إبراهيم شخصياً





تلقيت ردوداً كثيرة على «في كردفان هل سألوك عن الماء» منها بالهاتف ومنها مباشر ومنها بالبريد الالكتروني، وجميعهم يؤمنون على أولوية الماء لكردفان من النيل الأبيض. وشكري لهم جميعاً، ومنهم من قال إن لغته كانت حادة شوية، عموما أتمنى أن يسمعه ولاة الأمر ويغفروا له حدته، فهي ليست أكثر ألماً من فقد الماء.
لكن الجديد هذه الرسالة من شاعرنا الكبير محمد المكي إبراهيم، هذا الرجل الذي يكن له جيلي كل احترام وتقدير، بل كل من يعرف الأدب والثقافة والشعر وقدر الرجال.
إلى رسالة شاعرنا الكبير شاعر «أمتي» و «بعض الرحيق» و «يختبئ البستان في الوردة» وغيرها والسفير السابق.
الأخ الكريم الأستاذ أحمد المصطفى
تحيةً طيبةً واحتراماً
قرأت بإعجاب لا حد له كلمتك القوية التي عنوانها «في كردفان هل سألوك عن الماء؟» وأحسست بحرارة المشاعر التي دفعتك لكتابتها. ولو كنا جهويين لقلنا ما لابن الجزيرة هذا وآلام الناس في كردفان، ولكنك يا سيدي من طينة أخرى، طينة الزعامات الشبابية ذات الإحساس الرفيع بآلام الآدميين في هذا الوطن التاعس الحزين، وهو نفس الجيل المحتشد اليوم في ميدان التحرير، وهو الجيل الذي نعتمد عليه لينقذنا اليوم ويتولى أمورنا في غده القريب.
الإنسان في كردفان كما تعلم أيها العزيز، ضحية التغيير المناخي الذي قضى أن تشح الأمطار. ولم يألُ الكردفانيون جهدا في حصد المياه وتخزينها، ولكن كل ذلك لم ينفعهم، فالحاجة أكبر من المتاح، مصداقا لقول العزيز المنتقم الجبار: «وجعلنا من الماء كل شيء حي» فالإنسان يطلب الماء وكذلك الحيوان والنبات وحتى الطيور المحلقة في الأجواء. وقد بحت أصوات المواطنين من الاستغاثة، فصعبت استغاثاتهم على قلوب الأوروبيين الرحيمة، وهانت على حكامنا الذين يفترض فيهم رقة الأفئدة على أهلهم ومواطنيهم. ولا عجب أن يبادر الأوروبيون لإبداء الاستعداد لإغاثة أهلك الكردفانيين، فهم أهل المرحمة، والذين كفروا بشعوبهم وأهانوها هم أهل المشأمة ولا يُرجى منهم الخير.
نحن في كردفان نصفنا «شوايقة ودناقلة وجعلية» ونصفنا الآخر «نوبة وداجو وفلاتة وعرب بوادي»، ولكن لنا جميعا سحنة ثقافية موحدة هي السحنة الكردفانية، وفي حياتنا الطويلة في الإقليم لم نعرف الفتن الشعوبية، وباستمرار نتصاهر ونتبادل المجاملات، ويساند بعضا بعضا أمام عنف الحياة وأتراحها. وليس كثيراً علينا إلغاء الجسر المقترح لتمويل خط أنابيب يحمل الماء إلينا.
إنني شخصياً ضمن زمرة من أبناء الإقليم من المنادين بمثل ما تنادي به، وقد عرفنا من اتصالاتنا السابقة أن الأمر ليس بيد الوالي والولاية، وإنما هو بيد الحكومة الاتحادية، وبمقدورها أن تقول لهذا الأمر كن فيكون، وليس بيننا وتلك الحكومة ما يدعو لتعطيشنا وعدم الإصغاء لصيحاتنا، ولكن بالطرق يلين الحديد.. وقلمك أيها الأخ الكريم مطرقة خيرة نيرة أرجو أن تستمر في رفعها حتى يسمع النائمون.
أخوك محمد المكي إبراهيم

في كردفان.. هل سألوك عن الماء؟





هل أخبروك بأن أطفالهم يخرجون صباحاً ويعودون ببعض ماءٍ عصراً؟هل أخبروك بأن الماء يكلف الأسرة مابين 60 إلى 70% من دخلها؟ هل أخبروك بحالهم وهم يتحلّقون حول الآبار ويشربون هم وأنعامهم من معين واحد؟
بين يدي دراسة متكاملة أعدتها هيئة جامعة الخرطوم الاستشارية وضعت لسقيا ولاية شمال كردفان من النيل الأبيض وتحديداً من الفششوية لتعمل محطات مياه ومحطات ضخ و شبكة مياه متكاملة تسقي مدن المزروب ،أم روابة، تندلتي، سودري،النهود والأبيض وما بينها من قرى هذا المشروع الذي يخدم 3 ملايين آدمي وأكثر من 15 مليون حيوان. الدراسة كاملة ومتكاملة وكثير من الجهات موافقة على التنفيذ بعدة خيارات. وأكثرها جدية جهات أوربية، وقدّم المجلس الأوربي للتنمية عرضاً بأن يدفع 30% من المشروع. وتكلفة المشروع ليست كبيرة إذا ما قورنت بفائدته. وبالإضافة إلى 30 % المجلس الأوربي فعندي 44 مليون دولار تعتزم ولاية الخرطوم أن تبني بها كبري توتي بحري!!. شمال كردفان أحق بهذا المبلغ والماء قبل الكوبري وقبل أن تسوي لناس الخرطوم الطريق حتى لا يمكثوا أكثر من 10 دقائق في سياراتهم المكيفة بين البيت والمكتب فليتقوا الله، في كردفان يقضي طفل 10 ساعات ليعود بماء غير صالح للإنسان وتنتظره أسرته ومنهم من ترك المدرسة ليقوم بسقيا عائلته وبهائمه.
مالكم كيف تحكمون؟
هذا المشروع المدخر في أدراج المسؤولين إن لم يكن والي كردفان عرضه على السيد رئيس الجمهورية في زيارته لكردفان أمس لا خير فيه ولا يعلم عن أولويات ولايته كثير شيء. السيد والي شمال كردفان كيف يحلو لك عيش وإنسان ولايتك وحيوانه بلا ماء؟
بالله إذا ما قام هذا المشروع كيف ستتحول الحال في شمال كردفان؟ وكيف تتبدل حال أهلها الذين هجروا كثيراً من القرى لعدم وجود الماء وكيف تتطور صحة الفرد وتنميته.
هناك خياران الأول أن تقوم الدولة بواجبها وتحدث توازناً تنموياً حقيقياً ولأناس يستحقون كل خير، وتدفع المبلغ الذي يروي 3 ملايين آدمي و15 مليون حيوان ويساعدها المجلس الأوربي للتنمية بثلث المبلغ. الخيار الثاني هناك جهات عرضت أن تتبنى المشروع بنظام BOT السداد من المشروع بحيث يدفع المستفيدون وعلى مدى طويل تكلفة وأرباح المشروع للجهة المنفذة.
المشروع مر عليه ولاة عددًا كلهم لم يعطه حقه من الاهتمام أو لم يجدوا ترحيباً من المركز أو أتمنى أن لا يكون هذا صحيحاً، لم يعط الأهمية المطلوبة. بالله كيف يطيق حاكم الحكم ورعيته تبحث عن الماء؟ والٍ أو رئيس؟
بالله كيف تنعم الخرطوم بكل هذا النعيم وأطرافها مشلولة تبحث عن الماء. والبحث عن الماء يعني الموت وأثره على الصحة كبير وعلى الاستقرار أكبر.
كل من يتردد في قيام هذا المشروع لحظة لا يستحق أن يسمى حاكما ولا راعياً.

الثلاثاء، 8 فبراير 2011

مباراة تنمية بين الدولتين السودانيتين




غداً يوم جديد على السودانين الشمالي والجنوبي، ودون بكاء على الماضي يجب أن يحدِّد كل طرف خطة واضحة لبناء دولته.. وبناء الدولة يعتمد بعد الله على رجال ذوي همة لا يعملون لأشخاصهم ولا أحزابهم وما أضاع البلاد إلا أنانية الأفراد والأحزاب، كثيرون دموا أنفسهم على الحزب وقدموا الحزب على الوطن وسيلعنهم اللاعنون.
نريد الخطو إلى الأمام حتى يوقع كل طرف الحجة على الآخر بأنه كان سبب تخلفه ويوم افترقا لم تعد هناك حجة وها هما الشمال والجنوب يتباريان في بناء دولة عصرية تديرها المؤسسات وليس الأشخاص وما الشخص إلا قطعة من قطع الشطرنج يدفع به إلى حيث يصلح وليس حيث يسكت ويعيش أخرس عن قول الحق.
نريد دولةً المواطن عمادها، وكلٌّ مسخر لخدمة المواطن، صحته وتعليمه وطرق مواصلاته وزراعته وصناعته وبعد أن ترتقي كل هذه الخدمات ويكون لكل مواطن مسكن ومقعد دراسة ومصحة وطريق آمن يمر فيه وزراعة تغنيه ذل المسألة وتبعده عن البحث عن الرضاعة من ثدي الخزينة العامة الملتهب.. وصناعة لا تثقلها فواتير الكهرباء ولا الضرائب ولا النفايات والجبابات.. وطرق شرطة المرور فيها همها السلامة وليس تقطيع الإيصالات وجمع المليارات لتوزع قبل أن تدخل وزارة المالية.
نريد دولة منتجة بحق وليس بالتقارير الكاذبة، دولة منتجين وليس دولة موظفين.. كنا نتحدث عن يوم تكون فيه الوظيفة في الدولة عيباً لما بين أيدينا من وسائل إنتاج مجزٍ العائد من زراعة وصناعة وصناعات تحويلية.. لكن الذي صار أن الوظيفة تهون أمام اللهث وراء المناصب السياسية في تردٍ واضح وصارت السياسة جاذبة لأن عائدها غير منصوص عليه بقانون وهو للخم من الموارد أقرب، وصار كل الشعب يعمل ليصرف على السياسيين.
لتعلن الدولتان ومن غدٍ نهاية لعب العيال والكلام الكثير والمؤامرات وحزبي وحزبك وباقاني وباقانك ونافعي ونافعك، الوطن أكبر من كل الأشخاص والأغلبية عاقلة ويجب أن نبني الوطن وما أسهل بناء شقي السودان لو أتيح المجال لعقلاء، الدنيا ليست همهم ولا الحزب.
كيف تستورد بلاد السودان بشقيها مأكلها ومشربها؟ إن لم يكن هذا الفشل عينه فما الفشل؟ آخر ما عندي من معلومات عن مبلغ استيراد منتجات الألبان لسنة 2008 كان 212 مليون دولار.. تخيل وجلها من هولندا التي هي اصغر من أصغر ولاية في السودان.
لتنص دساتير الشقين وتبنى على ما ينفع الناس وليس تكريسًا لزعامة فرد أو حزب أو قبيلة، دعونا نحكي لأولادنا معنى «وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» (آل عمران» «:140».
فليتكامل الطرفان ولتعبَّد الطرق بينهما فما يربط أكثر من الذي يفرق وليقضِ الشماليون الإجازات في مريدي وجوبا سائحين وليقضِ الجنوبيون الأيام في الشمال شوقًا لشمس لافحة ونهار غير ممطر.. فليزرع كل طرف ما يكفي حاجته وحاجة جاره ذرة الشمال للطرفين وشاي الجنوب للطرفين.
أما إذا ما صار العكس وزرع كل طرف مكائده ووضع ألغامه في طريق الآخر فلا حول ولا قوة إلا بالله!.

الأحد، 6 فبراير 2011

الصادق رئيساً للوزراء





ليس هذا من أخبار الأرشيف التي تقرأ تحتها صحيفة الصحافة 1967 ولكنه خبر طازج في صدر هذه الصحيفة ليوم أمس ومعه أن وزارة الرعاية الاجتماعية للدكتورة مريم الصادق ووزارتين أخريين لآل المهدي.. طبعًا أمر وزارة مريم لا جديد فيه حيث إن الوزارة الآن لأميرة الفاضل من المعيلق وناس أم درمان أحق بالوزارات من أهل العوض، أو هذه عقلية من يحكمون على مر الدهور.
«امسح السبورة يا ولد»
ماذا ننتظر؟
وهذه الدوامة إلى متى؟
أتمنى أن تبحث الإنقاذ عن عقار يعيد الأعمار عشرين سنة وتعطي منه السيد الصادق جرعة لتعيدنا حيث أنقذت. لم يكن الأمر غريبًا جدًا لو أعطيت رئاسة الوزراء لعبد الرحمن الصادق ولكن أن تعطى لسيد صادق نفسه فهذا دليل عقم سياسي من المؤتمر الوطني وحزب الأمة جناح الصادق ويعني أن كل هذا الزمان لم يغير في عقليتي الحزبين وأن هذه الأسماء لن ينقذ الله منها شعب السودان إلا بالموت.. ولا أظن أن المؤتمر الوطني أفضل حالاً من الأحزاب التي يحاورها حيث لم نشهد تغيرًا في الوجوه عشرات السنين وتبقى المسألة فرقًا في عدد السنين ليس إلا زادت أو نقصت لا يهم ولكن العقلية واحدة.
يبدو أن لهذه الكراسي حلاوة «وما حال مبارك ببعيد شاهدًا على حلاوتها ولو صاحت الملايين ارحل ، ارحل».. لم تبن لنا هذه الأحزاب دولة حتى اليوم وإن بنت الكباري والطرق وبعضًا من مدارس وبعضًا من كهرباء.. لكن بناء الدولة لم يحدث بعد.. دساتيرنا بالهبل كل سنة أو سنتين دستور انتقالي أو مؤقت وكلها تستحي من النص على مدة الولاية، وعندما تستحي تترك الماضي وتبدأ من جديد.
«اقترحت على اتحاد المزارعين مرة أن ينص ألا يشترك العضو أكثر من دورتين فقال لي أكبرهم عمرًا رحمه الله من هنا ولي قدام.. أي يريد دورتين بعد ذلك المقترح علاوة على العشرين الماضية». وهكذا في كل دساتيرنا من هنا ولي قدام.
بالله كم مقدار الإحباط الذي سيصيب هذا الشعب من الحكومة العريضة التي بدأت ملامحها برئاسة السيد الصادق؟ كنت أخاف من عرض الحكومة أن يزيد عدد وزرائها على 79 وزيرًا ولكن يبدو أنها ستكون عريضة بطرق جديدة.
يا سادتي حكم الصادق هذه البلاد ثلاث مرات قبل اليوم ويومها كان تعداد هذا الشعب 20 مليونًا وبها جامعتان او ثلاث، اليوم الشعب «قبل يوليو» 40 مليونًا والجامعات فوق الأربعين وبرضو عايز يبقى رئيس وزراء.
طيب رحم الله أحمد الميرغني، من سيكون رئيس مجلس سيادة خلفًا له؟ أعطونا الخبر بالجملة وليس بالقطاعي ام تخافون على الشعب من الانهيار وامتلاء أقسام الحوادث بالمنهارين من الجلطات وكوما السكري؟
إلى متى نضيع وقت هذا الشعب الغالي في الموازنات والأسماء.. متى يبدأ بناء دولة تستحق الاحترام ليس للأسماء فيها حظوة والكل مواطن له حقوق وعليه واجبات؟
سيد أحمد الحاردلو أعرني العنوان للمرة الثالثة «... أبوكي بلد».

السبت، 5 فبراير 2011

خرجت من المؤتمر الصحفي




لا أدري هل هي حماقة مني أم قلة صبر أم أني على حق؟ سماه مؤتمرًا صحفيًا وكان عبارة عن محاضرة في عنبر جودة تيتاوي.. وزير ولاية الخرطوم لشؤون الحج والعمرة طبعًا هذا ليس اسم الوزارة ولكن من كثرة مسميات الوزارات والوزراء أصابنا ما أصابنا من القرف، وما عاد تهم الوزراء أسماء وزاراتهم نُطقت صاح ام خطأ، دعا الوزير لمؤتمر صحفي يعرض فيه أسس وضوابط عمرة 1432هـ بقاعة اتحاد الصحفيين «أضيق قاعة في القرن الواحد والعشرين» لا أدري هل حسب مهندس هذه القاعة كل الحسابات أم جاء مهندس وبنى وجاء آخر ووضع الكراسي وجاء آخر للإضاءة وثالث للكهرباء لا أصدق أن هذه القاعة قام على إنشائها متخصصون.. لا وضع الباب ولا المقاعد ولا الممرات تصلح لتسمى هذه قاعة.
يللا نتحرك شوية.. والقاعة بهذه المواصفات المتواضعة احتل مظفو الحج والعمرة ومسؤولو الوزارة أكثر من نصفها، لماذا يأتي هؤلاء لمؤتمر صحفي وما دورهم في ذلك أم هم مع الوزير إن قام قاموا وإن جلس جلسوا هل هم ديكور أم الأعراف غير المراجعة تقضي بحضور الموظفين مع وزيرهم لمثل هذه المؤتمرات.
بدأ الوزير الكباشي بمحاضرة طويلة جداً جلها معروف سلفًا وأطال واستعرض بعض تجارب الآخرين في الحج والعمرة وضرب بالتجربة الماليزية مثلاً.. سبحان الله!! ليته لم يفعل، لهذه التجربة سافرت وفود عشرينية لثلاث سنوات متتالية ولم تر ولن ترى النور إذ الأهداف المتواضعة هي هم الكثيرين من السفر وبدلاته وليس نقل التجارب الناجحة التي تأتي بالثقة في القائمين بأمرها، أولاً وجدّهم في تقديم شيء فوق أشخاصهم ثابت ومستمر استمرارية الحياة وليس رزق اليوم باليوم، وكلما جاء مسؤول هدم ما وجد وتعلم الحلاقة في رؤوس اليتامى.
التجربة الماليزية السياسيون لا يحجون مجانًا ولا الصحفيون ولا يكون ثلث الحجيج حاجًا على حساب الآخرين حيث يدفع الفقير للغني ليحج من ماله.. التجربة الماليزية راسخة بالسنين وأهلها غير مستعجلين ولم تبنَ على أشخاص إن هموا ذهبوا ذهبت. كرر كثيرًا موسمية عمل هيئة الحج والعمرة وكلنا نعلم أنها غير موسمية ولها جيش جرار على ضفتي البحر الأحمر في جدة والخرطوم طول السنة يقتات من رسوم الحجيج وأوقافهم.
ثانيًا: لا أعتقد أن المؤتمر الصحفي يحتاج إلى كل هذه المحاضرة الطويلة وأعتقد في مثل حالة الوزير هذه أن يكون معظم الوقت للصحفيين وأن يقدم الوزير ضوابطه التي يريد طرحها لعمرة 1432هـ والأسئلة هي التي توضح التفاصيل.
شاهدت كثيرًا من المؤتمرات الصحفية في القنوات يكون صاحب المؤتمر على منصة وبعد مقدمة قصيرة جدًا عن الموضوع يشرع في توزيع الأسئلة ويجيب عنها واحدة واحدة أو على دفعات وينفض السامر.. وبهذا يكون صاحب المؤتمر قد عرض ما عنده في وقت وجيز والصحفيون سألوا عمّا يريدون معرفة تفاصيله ويوفر كلٌّ من عمره وقتا ليس رخيصاً.
سادتي حياتنا جلها بدون توصيف والكلام يأخذ حيزاً كبيرا على حساب الإنتاج.. أتمنى أن أحضر مؤتمرًا صحفيًا يدلف للموضوع مباشرة ويحترم وقت الطرفين.

الأربعاء، 2 فبراير 2011

التأمين الصحي، «مش ولا بد»





لو سألتني ما معنى «مش ولا بد» وما مصدرها لارتجفت،لأني لا أعلم أصلها ولا قصتها وهي ليست عربية فصيحة ولكن كثيراً من الناس يستعملونها عندما لا يمتلكون الرضا التام عن شيء ما. صار صرف بطاقات التأمين الصحي هم الرؤساء والولاة والوزراء وكأنه إنجاز في حد ذاته.
كم تمنيت لو وقف على التأمين الصحي من يعرف محاسنه وعيوبه ولا تنتهي مسؤولية ولاة الأمر بصرف البطاقة. ثم ماذا بعد البطاقة وما هي ميزاتها وما هي عيوبها وهل ستنتهي مسؤولية المسؤول أمام الله بصرف البطاقة؟
وللذين لا يعرفون كثيرًا عن التأمين الصحي ولا يسمعون به إلا في النشرات، نقول التأمين الصحي جاءت الضرورة إليه بعد أن تخلّت الدولة عن العلاج المجاني «وحق لها أن تتخلى عن العلاج المجاني وهو ليس معمولاً به في أغنى الدول، أمريكا مثلاً» ولكن هذا لا يعفي الدولة من معالجة المسألة حيث لا يعقل أن لا يكون للناس حق العلاج وكيف يرضى حاكم بأن يتضور محكومه مرضاً ولا يجد علاجاً؟ فكرة التأمين الصحي في أبسط صورها هي أن يقوم المجتمع بالتكافل وتقوم الحكومة بالترتيب والعون، حيث يدفع المؤمَن مبلغاً كصندوق تعاوني يتعالج منه كل من يحتاجه من المشتركين بعد أن يدفع المشترك 25% من قيمة العلاج أو الدواء.
وتطور هذا التأمين على طريقة الحج فصار منه تأمين vip وتقوم به شركات حكومية ليس للشعب فيها نصيب يُرى ويستفيد من هذا التأمين عِلية القوم درجة ثانية، حيث إن درجة أولى لا يتعالجون في السودان بل الأردن هي مكان علاج نزلات البرد، وألمانيا للعظام وبريطانيا للقلب وهلم جرا. وتتدرج درجات هذه الشركات التي تقوم بالتأمين الصحي كل حسب وظيفته ومركزه. هذه ليس لنا عليها كبير حجة غير أن شيكان شركة حكومية لكل فرد فيها نصيب سيسأل الله القائمين عليها يوم القيامة عن التاية وندى.
وهناك التأمين الحكومي وتقوم به إدارة التأمين الصحي غير أن ولاية الخرطوم يوم كان المتعافي واليها استكثر دخل تأمين ولاية الخرطوم أن يذهب لخارجها وأنشأ شوامخ لولاية الخرطوم فقط وإن ساعدته القوانين ولكنه ظلم الريف تماماً كعادة الخرطوم الظالمة لكل السودان والتي قال فيها محمد المكي إبراهيم قبل 50 سنة «ما أتعس رأساً مشلول الأقدام».
تجربة التأمين الصحي رغم مديد عمرها ولكنها تحتاج لمراجعة، فالتأمين الآن تقتله البيروقراطية، الحصول على البطاقة مشكلة، ولو دفعت، ومكان استخدامها مشكلتان، على سبيل المثال لو كنت من أهل بتري التي تبعد عن الخرطوم 20 كلم وهي تابعة لولاية الجزيرة عليك أن تذهب لمدني 160 كلم لتحولك للخرطوم. ثم إن حكاية بعض الأمراض لا يشملها التأمين تحتاج وقفة وبعض العلاجات لا يشملها التأمين تحتاج وقفتين، وإلا أروني كيف يمكن أن اختار المرض الذي يناسب دخلي؟
على موزعي البطاقات أن يتأكدوا من جدواها أولاً.

الثلاثاء، 1 فبراير 2011

لغز اسمه قناة «الجزيرة»»





ومنذ عقد من الزمان وقناة «الجزيرة» تشد إليها المشاهدين شداً. وكالعادة تنهال الاستفهامات: لمن هذه القناة؟ ما هدفها البعيد؟ من وراءها؟ لمصلحة من؟ أجندة من تخدم؟ من معها؟ ومن ضدها؟
اتهمها اليساريون بأنها إسلامية، ويخيب ظنهم عشرات المرات، الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة يقولون إنها غربية وتخدم الغرب والصهيونية أكثر من عشرات القواعد العسكرية؟ وأي مشاهد لقناة «الجزيرة»، يجدها يوماً معه ويوماً عليه.
كل ما ذكر آنفاً يصب في مصلحة قناة «الجزيرة» ويدل على مهنيتها العالية وذكاء من يديرونها، وقد يكون فيها كالخميرة قليله صالح وكثيره مضر. وعلمت الشعوب الحرية مستفيدةً من عيوب الـ «بي. بي. سي» وأخواتها التي تخدم أجندة دولها بوضوح سافر، رغم كل إدعاءاتها بالحيدة والتحلي بالمهنية والالتزام بالديمقراطية.
فقد عرَّت هذه القناة النظم الفاسدة، وجعلت بضاعة التلفزيونات الحكومية بائرة، وهي منبر من لا منبر له، ولكن كل ذلك لا يجعلها مبرأة من كل عيب، فالكمال لله.. هل سمعتم منها كلمة حق في ولي نعمتها؟
وعن عدد مراسليها المنتشرين في العالم اعتقد أنهم قالوا إنهم «488» مراسلاً، وتغطية الأحداث المهمة تتم بعدد من المراسلين عند الضرورة، وهذه الأجهزة تجوب الدنيا والمكاتب الثابتة والمتحركة، وكل هذا لنقل الحدث في زمانه ومن مكانه دليلاً على تفردها وجذبها لملايين المشاهدين، وعندما افتقدناها بالأمس كان يوماً حزيناً علينا، واستعضنا عنها بقنوات لا تأتي بمعشار ما تأتي به قناة «الجزيرة».
ولا شك أن وراء هذه القناة رجالاً صرفوا عليها صرفاً مبالغاً فيه، ولكنها الآن ترد الدين مضاعفاً.. انظروا للإعلانات التجارية فيها فكم تدر عليها؟
وهي القناة الأولى بلا منازع، ولو تحركنا قدماً بعيداً عن نظرية المؤامرة نقول إنها فعلت ما لم يفعله آلاف الدعاة في مجالات التربية الدينية، وإذا ما نظرنا للثقافة فقد كان لها فيها قدح لا يبلغ ترقية الذوق السياسي، ولكن لم تهمل الثقافة، وأنا أكتب عن قناة «الجزيرة» الإخبارية فقط، إذ أنني لم أشاهد قط «الجزيرة» الرياضية، وليس لي أدنى علم بما يدور في الرياضة لا محلياً ولا خارجياً، وآخر لاعبي كرة قدم أعرفهما جيدا إذا وجدتهما هما جكسا وقاقرين، ولا يعني ذلك أني أعرف أكثر من ذلك عن فريق الهلال.
قناة «الجزيرة» جاءت في وقت ظنت فيه كثير من النظم أنها استولت على عقول شعوبها وما عادت تسبح إلا بحمدها، وكشفت المستور ودكَّت عروشاً، وإيقاعها سريع بسرعة الفساد المنتشر داخل النظم الحاكمة.
غير أني محتار أشد الحيرة، فكيف توقت لبعض وثائقها ومن وراء التوقيت؟ وفي مصلحة من يصب؟ ومن أين جاءتها الوثائق؟ ولماذا الآن؟.. أسأل عن هذا ليس حباً في السلطة ولا القائمين على أمرها «وما أمر دحلان ببعيد»، ولكن لماذا الآن؟ وما محصلة ذلك؟ أخشى أن تخسر فلسطين المنظمة وحماس، ويلتهمها الفك المفترس والعرب مشغولون حاكماً ومحكوماً.