الجمعة، 21 ديسمبر 2012

التجنيب الأسباب والحلول

 الثلاثاء, 18 كانون1/ديسمبر 2012


من مشكلات السياسة السودانية أو السياسي السوداني، استعجال النتائج. وأكثر الجهات ابتلاءً بذلك عندما يبدأ السياسي الحكم فإنه يريد أن يقنع الجمهور بأنه سيفعل ما لم يفعله الآخرون، فالإنقاذ في أول عهدها أرادت أن تخرج عن هذا الخط، وأذكر جيداً أنهم قالوا في بداية عهدهم، لن نضع حجر أساس ولن نقول سنفعل، بل سيكون منهجهم افتتاح المنشأة بعد أن تنتهي، ولن يقولوا سنفعل كذا ولكن سيفعلون كذا ويقولوا فعلنا كذا. ووحاتك هذا الأدب لم يدم سنتين، ويبدو أن الجماعة جاءهم من همس لهم في أذنهم بأن هذا الشعب ملول وعجل، ويجب أن تعودوا لنهج من سبقوكم وزيدوا عليهم حبتين ترويج في عهد الفضائيات. ومثال ذلك الحملة الإعلامية التي صاحبت سد مروي من أوله الى يوم الرد.. الرد، وليت الشفافية تطلعنا على كلفة تلك الحملة الإعلامية ومردودها وعدد الطائرات والبصات التي سافرت الى مروي، واعترف بأني كنت ضمن زواره ثلاث مرات بالطائرة. آفة ثانية من آفات القائد السياسي السوداني، أنه دائماً يريد أن يسمع إنجازاً وتقريراً موجباً وليس تقريراً كاملاً يضم الآثار السالبة والموجبة، ولا يهمه أن يسمع ما صاحب هذا الإنجاز من أضرار وكيفية علاجها.
وهاتان النقطتان تتطلبان مهارة في عدة وجوه «ليس من بينها النظام المتقن».. تتطلبان التحلل من النظام والوصول للنتيجة التي ترضي الحاكم في أسرع وقت، وهذا يحتاج إلى غطاء يكفله له الحاكم الكبير طالما حقق له ما يريد، فأصبح الوزراء يتبارون في إرضاء الحاكم الأول والتقرب إليه بخرق القوانين وحل المشكلات بمشكلات أكبر منها.
وما من شك أن مشكلة التجنيب الآن من أكبر مشكلات الاقتصاد السوداني، وهي أوسع أبواب الفساد، وبدأ الحديث عنها همساً قبل أكثر من عشر سنوات، وصار الصوت يعلو ويعلو إلى أن أصبحت حديث الحكومة نفسها، بل حتى وزير المالية الحارس للمال العام، «أردت أن أكتب القيم على المال العام ولكن تركتها لأسباب»، حتى وزير المالية الآن متهم بالتجنيب. والجهات المُجَنِبة وأولها وزارة الداخلية متى بدأت التجنيب وكيف ولماذا؟ لست متأكداً من البداية الفعلية ولكن اشتهر أمر تجنيبها يوم تولى أمرها عبد الرحيم محمد حسين، وأسس الشركات الشرطية وابتدع والتسويات الفورية، وبدأ ومن معه الصرف من هذا المال بلا حسيب ولا رقيب، وظل ينجز تحت دهشة الحكومة والمواطن بناء مرافق الشرطة ومرافق وزارة الداخلية بالعموم، وكله خارج السيستم، إلى أن أهار الله عمارة جامعة الرباط وأظهر معها انهيار قيم كثيرة. وما يحزُّ في النفس أن أحداً لم يقف على أضرار تجربة عبد الرحيم محمد حسين التجنيبية التي صارت سابقة تُحاكى دون دراسة لأثرها على الاقتصاد والأخلاق. ومازال عبد الرحيم يمارس نفس العادة في وزارة «الدفاع»؟
وبعد الداخلية توالى العمل بالميزانيات المجنبة البعيدة عن المراقبة عبر سيستم المالية المعروف والكتاب المفتوح للمراجع العام، إلى أن صرنا نسمع بوزارة ما كنا نظنها تحتاج لتجنيب، فما الداعي لأن تجنب وزارة الزراعة مثلاً؟ ولا نريد أن نتحدث في غير التجنيب، ويبدو لي والله أعلم أن الميزانيات المجنبة خارج الميزانية العامة أضعاف أضعاف الميزانية العامة، وهذه طامة كبرى. وما لم تختف ظاهرة التجنيب بدون قانون في مطلع عام 2013م، فلتوقع الدولة على أنها دولة فاشلة.

ليست هناك تعليقات: