الثلاثاء، 24 يناير 2012

رحيل الأقارب من بطش العقارب

للمغتربين المهاجرين من سورتود.. هجرتان:
الهجرة الأولى: حينما تركوا قراهم الصغيرة «تحت» وهاجروا لـ «فوق» حيث لا ماء ولا كلأ ولا همبريب.. بل غابات من الأسمنت والطوب والحديد.. والحجارة.. وسموم الخماسين..
و«تحت» تعني جنات تجري من تحتها الأنهار وتحفها النخيل الباسقات والمروج الخضراء وغابات السنط الكثيفة والحلفاء والعشر..
الهجرة الثانية: الاغتراب عن الوطن الكبير.. السودان.
وشتان بين الهجرتين.. الأولى هروب إلى شظف.. والثانية هروب من شظف.
وكنت من أبرز المناهضين للرحيل لـ «فوق» حيث عانينا كثيراً ونحن نقارع الحجة بالحجة مع شباب جبرونة والهجيرة والذين كانوا يصفوننا بالمتقوقعين الذين يعيشون في الأحراش والغابات مع البهائم والعقارب والبعوض.. ولا غرابة في ذلك فتلك المخلوقات بدورها تسعى للعيش في الأماكن الطيبة الرطبة والتي بها مقومات الحياة.. إلخ..
إلا أني اعترف «وبعد مضي 30 عاماً على ذلك» بأن لهم بعض الحق في ذلك.. وما يذكر اسم العقرب حتى يقشعر كل جسدي وينتابني ما ينتاب الصغير حينما يشاهد الأفلام المرعبة المخيفة.
فالعقارب «وللعلم ـ العقرب الأنثى والعقربان الذكر هي محور الشر» أيام زمان.. حيث لا إيدز ولا سرطان ولامصائب ولا.. أوكامبو.. والعقارب كانت تمثل كل ذلك.. هي الصهيونية والإرهاب كما نفهمه نحن.. لا بالمفهوم الغربي.. ولا فرق بين الصهيونية والعقارب؛ فالعقارب تسعى بكل الطرق للاعتداء والأذى والضرر ويسخر لذلك خادمته العميلة «الكهندارة الخنفساء» وقبحها الله أكثر مما هي عليها.. والكهندارة طابور خامس وعميلة بجدارة للعقارب فهي لا تعصي لها أمراً وتقوم بإرشاد العقارب لأماكن الأرجل والأيدي الممتدة على الرمال ليلاً لتقوم العقارب المجرمة بتنفيذ مخططاتها باللدغ والفرار.. ثم بعد ذلك تؤمن لها الكهندارة الفرار بالسلامة، وأينما تجد الكهندارة بكثرة في أي مكان تيقن أن بالمنطقة عقربان فالكهندارة تقوم بالاستطلاع والتجسس لسيادته.
ووجه الشبه بين الصهيونية والعقارب جلي.. في الدهاء والاعتداء.. وكما تسببت الصهيونية في اغتصاب الأراضي من أهلها وترحيل الأهالي من القدس وحيفا ويافا والناصرة.. الخ.. كذلك فعلت العقارب بنا حينما ساهمت في ترحيل أهالي الهجيرة «تحت» والحسيننجي «القدس الشرقية» والكوابي والحمرنجي والعقالنجي.. الخ.
وكما تستهدف الصهيونية النشطاء من حركات المقاومة الوطنية.. كذلك وعلى سبيل المثال استهدفت العقارب أحد الأقرباء وأبرز النشطاء «بحلة الكوابي تحت» باللدغات المتعمدة والمستمرة والمتوالية ليضطر لترك منزله العامر ويرحل بدكانه ويستقر به المقام في أعالي جبرونة.. ثم تبعه الآخرون..
والعقارب تحترف الإجرام.. وكما يفسر المختصون في مجال الجريمة من أن المجرم والجاني يتردد لمكان الجريمة بعد حين ليشاهد ردة الفعل وربما ليطمئن نفسه.. كذلك العقارب بالضبط تتردد على مكان الجريمة بعد يوم ولنفس الهدف.. سبحان الله.
وكما يشتاق الفلسطينيون المبعدون من أوطانهم.. لأوطانهم.. كذلك نحن نشتاق إلى «تحت» تلك الديار الطيبة المباركة الوديعة الهادئة.. تلك الديار التي ترعرعنا فيها.. وما زالت ذكرياتها منحوتة في البال والخاطر «ولي قصيدة في ذلك.. عاجز عن ذكر مقطع منها لأنها بالرطانة».
وأصبح حلم العودة للبلد ولـ.. تحت «سالمين» حلماً.. كحلم الفلسطينيين للعودة واستعادة الأراضي المسلوبة.. فهل يتحقق الحلمان؟
>  حاشية:
سورتود قرية جنوب دنقلا بحوالى 8 كلم
الكهندارة برطانة الدناقلة الخنفساء
الكوابي «أي أهل الكوة وهم أصول أهل الكوة في النيل الأبيض «والحسيننجي» أبناء الحسينيين «والحمرنجي» الحمر «والعقالنجي» أهل العقال أسماء أحياء في سورتود باسم بيوتات»
 بقلم: عبد المجيد نور الدين حسين
أجدابيا ـ ليبيا
> تعليق: أليس هذا مشروع أديب يخلط الفصحى بالعجمة؟

مطلوب ثورة تعليمية

قبل أن ندخل في موضوعنا أين مؤتمر التعليم؟
إعلام مكثَّف عن مؤتمر تعليم قادم ملأ السماء في الشهور الماضية وفجأةً خفت الصوت وما عُدنا نعلم متى هو؟ هل صرف القائمون عليه النظر أتمنَّى ذلك.. قل لي لماذا؟
أجيبك: كثير من الذي قيل لا يحقِّق الطموحات وهو ترميم لما بين أيدينا من تعليم خلاصته تعليم أكاديمي طلاب في فصل وأمامهم مدرِّس.. صراحة هذه طموحات متواضعة لبلاد بكر إن لم نقل بلاد فطيرة.
حشر كل البشر في نظام تعليمي موروث من عشرات السنين ولا ينظر للتعليم إلا بعين بخت الرضا تلك التجربة التي آتت أكلها في ذلك الزمان وقطعًا ليست صنمًا يُعبد لعشرات السنين.. هل ننتظر أن يموت كل من يبكون على بخت الرضا حتى نفكر في بديل؟ هل لهؤلاء «القوة» على حبس عجلة الزمان في بخت الرضا وقدسيتها إلى هذا الحد؟
يا سادتي نريد ثورة تعليمية حقيقية.. يقوم عليها خبراء شجعان وتقف خلفها إرادة سياسية قوية تصرف عليها كما تصرف على الأمن وكما تصرف على الحرب هذا إن لم نخرج من هذا الجد ونقول كما يصرف على الاحتفالات والمهرجانات.
ثورة تخترق كل ما بين أيدينا من نظم تعليمية لم تورثنا إلا جيوش العطالة. والزراعة والصناعة والتجارة يديرها من لم يتأهل لها في نظام تعليمي لذا نرى صناعتنا وزراعتنا وتجارتنا متذبذبة.. ما لم تجد الحرف حظها ليس مجاملة بل أن تقدم لمحترفها ما تقدمه له من احترام وعائد مثل مهنة الطبيب والمهندس التي يهرول لها المجتمع، نتمنَّى أن تكون المنافسة على أشدها بين أخوين في بيت واحد هذا طبيب وذاك مزارع من حيث الدخل والمكانة الاجتماعية ولن نصل لمرحلة مثل هذه وتعليمنا بهذه الحال النمطية.
من العاجز عن القيام بهذه الثورة التي هي مخرج هذا السودان؟ من العاجز العلماء أم السياسيون؟ الإجابة لا تحتاج تخصصاً ولا بحثاً السياسيون هم العاجزون عن رؤية بعيدة تستغل القدرات البشرية الهائلة وما نراه من حركات خجولة ومحدودة مثل وزارة لتنمية الموارد البشرية لا يوصلنا إلى هدف في زمن قريب وما هذا إلا طبطبة على جرح غائر ولن تعالج الواقع.
الواقع يحتاج همة عليا لإعادة صياغة الإنسان السوداني مما جميعه تربية وطنية حقيقة تخرجه من نفق القبلية والجهوية، تربية اقتصادية تعلمه الحساب تربية دينية تعلمه علاقته بربه وكيف يعبده، تربية تجعل من الإنسان السوداني يعرف قيمة الوقت ويودع هذا الترهل في الحياة وهذا الخمول.. نريد إعادة صياغة للإنسان السوداني صياغة جديدة حتى يصبح كالياباني أو الماليزي من حيث التأهيل والنشاط وحب الوطن وإطعام نفسه والآخرين.
كل هذه الطموحات لن يحققها مؤتمر التعليم القادم الذي أعد له الحرس القديم والذين لا يرون من تجربة تستحق الخلود غير تجربة بخت الرضا.
هل ترونني أحلم بخير؟ أتمنى أن تكون الإجابة نعم.

محمد علي دنيا ينتفض


سألت أكثر من مرة عن أين ورثة الأستاذ الفاتح النور صاحب أول جريدة خارج الخرطوم ( كردفان) ورثته في إخراج الصحافة من احتكار الخرطوم لها وأن تجد الأقاليم حظها من الصحافة الإقليمية . ودائما ما كنت أعقب ذلك بمثال آخر هو محرر صحيفة (دنيا) الحائطية اليومية بمعهد المعلمين العالي الذي أصبح كلية التربية في سنة 1974 م ومحررها هو الأستاذ محمد علي عبد الرحمن. الشهير ب(دنيا) اسم صحيفته. يبدو ان إبرة محمد ما بتشيل خيطين فكان خيطها خلال الأربعة عقود الماضية هو التربية والتعليم واليوم تقاعد الرجل وجاءكم.
وهذه الأولى:
الأخ الكريم / أحمد المصطفى ( استفهامات)
أولاً جزيل شكري وتقديري على إطرائك على محرر جريدة دنيا اليومية (معهد المعلمين العالي 70 -74 ) فقد أعدت إلي ذكريات جميلة كادت ان تندثر .
ثانياً : بما أنني قد بلغت سن المعاش وترجلت بعد خدمة 42 عاماً. وبما أنني لم أنتم إلي أي حزب سياسي رغم متابعتي لكل ما يجري في السودان سياسياً منذ أن كنت تلميذاً بالمرحلة المتوسطة (62-66) حيث أنني كنت استعير جريدة الثورة (عبود) من أستاذي آنذاك ابراهيم محمد ابراهيم ( د. دقش الآن ) هذا الرجل له أفضال كثيرة علينا بمدرسة سنجة الأميرية الوسطى .. حيث نورنا كثيراً وفتح آفاقنا على الدنيا ( متعه الله بالصحة والعافية وجزاه خير الجزاء).
ثالثاً : بما أن الأخ رئيس الجمهورية قد تحدث عن حكومة عريضة يشارك فيها جل السودانيين .. وبما أن 60% من الشباب هم خارج نطاق الأحزاب وأعتقد أن أكثر من 20% من الجامعيين أيضاً غير منتمين للأحزاب السابقة فقد ساورني شك بأن الأخ الرئيس سوف يشرك هذا الكم الهائل من المستقلين في الحكم .. وبالطبع طمعت في منصب بولاية سنار ( وزيراً أو مستشاراً للوالي ) خاصة وأن عدداً كبيراً من دفعتي بالثانوي ( 66  70 ) والجامعة ( 70-74) الآن يتولون مناصب عليا بالدولة .. المهم يا أخي فصلت بدلتين وإشتريت جلابيتين وعمتين من قماش راق ومركوب ، خاصة وأنني من هيئة التدريس ولازم أكون لبيس ، ولكن استولت الأحزاب الصغيرة على كل المناصب ومشكلتي الآن كيف أتخلص من البدل والقمصان ؟ حيث أنني لم ألبس بدلة إلا في العرس وخارج السودان .
وسأطالب مؤسسة الرئاسة بالتعويض .. ما رأيكم دام فضلكم ؟
أخوك محمد علي عبد الرحمن
مدير عام التربية والتعليم بولاية سنار سابقاً
> تعليقنا:
لن تعوض ولن تعين الا إذا حملت السلاح او خرجت على القانون. مؤدبين ومتعلمين هذه مؤهلات بايرة

الشعب يريد الرقم الوطني

وينقص الحكومة الإلكترونية اثنين قاعدة بيانات لكل الشعب وهذه لبنتها الأولى الرقم الوطني، وتنقصها الإرادة المنفِّذة إذ المتضررون من الحكومة الإلكترونية كثيرون لا يريدون شفافية ولا ضبطًا وهم مستفيدون كالمستفيدين من الجهل السياسي الذي ينقلب عليهم طال الزمن أو قصر.. أمور تافهة صارت تقضى من المنزل في كثير من بلدان العالم إذا ما استخدمنا ما بين أيدينا من اتصالات ستبور البصات وستنتهي أزمة المواصلات.. ولكن كيف ذلك وكل موظف في إدارته هو الملك فيها ويريد الناس أن تقابله من الشباك ليكشر في وجوههم وهمه ما بجيوبهم. فوائد الرقم الوطني لا تُحصى ولا تعد حيث سيصبح إنسان السودان معروفًا أحي هو أو ميت؟ أساكن هو أم ظاعن؟ هذا غير ما ييسره من خدمات نفتقدها الآن حتى الآن يضيع الإنسان السوداني وقتًا غاليًا في أمور يمكن أن تقضى من داخل المنزل عبر شبكة الإنترنت. «هسة يقوم واحد يقول لي تتكلم عن الإنترنت وما عارف كيلة العيش بقت بي كم؟». وإدارة السجل المدني تتمنى أن تنجز عملية الرقم الوطني وتجتهد ليل نهار في إزالة العراقيل التي تؤخره وتزيد من مراكزها وأحيانًا تذهب إلى الناس في بيوتهم كل ذلك في الخرطوم فقط والأقاليم والولايات نائمة.
من هنا ندعو ولاية الجزيرة أن تهتم بشمالها قليلاً وأن تضع في حسابها أن مواطن بتري الذي يبعد عن الخرطوم 20 كيلومترًا لا يمكن أن يقطع 160 كيلومترًا لورقة بسبب أن مدني هي عاصمة الولاية.. ماذا لو أقامت ولاية الجزيرة مركز خدمات في المسيد أو الباقير أو جياد قوامه عدد من النظاميين لا يتجاوز الخمسة بدلاً من سفر آلاف الناس للخرطوم أو مدني لتسجيل الرقم الوطني أو استخراج ورقة ثبوتية لا تزن جرامين يضيِّع لها إنسان ولاية الجزيرة من عمره وماله الكثير.. والفوائد من ذلك على قفا من يشيل.
يا ولاية الجزيرة إما أن تُطعمي شعبك أو  تتركيه يأكل من خشاش الأرض.. هذه الخرطوم على مرمى حجر من شمال ولاية الجزيرة إما أن تقدِّم ولاية الجزيرة خدمات مثل الخرطوم لمواطنها أو سيطالب بالانفصال وينضم للخرطوم حيث الخدمات تأتي إلى المواطن ولا يبحث عنها.
ومرد ذلك كلما نقول الحكومة كبرت وعقلت الا ونجدها في غيها القديم لا تسمع ولا تخدم الا الخرطوم.

وظائف في مشروع الجزيرة

يبدو أن قانون «2005» يُطبخ على نار هادئة جداً جداً ولا أدري هل الطبخ على نار هادئة هل هو دائمًا محمدة أم بعض الأكلات تحتاج إلى النار السريعة وربما يحتاج إلى أفران المايكروويف التي تسخِّن الأكل في ثوانٍ.. كان بالمشروع في يومٍ ما أكثر من «3000» موظف وعامل كل هؤلاء ليس عليهم كبير أثر في الإنتاج وإنما موظفون اكتسبوا هذه الوظائف كحق مشروع مثلهم مثل موظفي الخدمة المدنية في أي مكان يوظَّف أولاً ثم يُبحث له عن عمل ربما يجدون له عملاً أو يقاسم آخر في عمله وتستمر عملية تقاسم العمل إلى أن يصل من يقومون بعمل كان يعمله موظف واحد يُقسَّم على سبعة أو عشرة موظفين فيما يُعرف بالعطالة المقنّعة.. اللهم ارحم الشريف حسين الهندي مبتكر هذه البدعة.
كثرة الموظفين في مشروع الجزيرة مع عوامل أخرى مقاولين وتجار مدخلات واتحادات فرعية ومركزية كل هؤلاء ليس فيهم مسؤول عن نتيجة الزراعة.. مقاول السماد يحضر السماد ويأخذ ربحه ويذهب وكذا المقاولون الآخرون.. أما الموظفون فيريدون رواتبهم وامتيازاتهم ومخصصاتهم على دائر المليم ومعاشاتهم كمان دون أدنى مسؤولية عن الإنتاج لا تحديث ولا ترقية ولا ابتكار ولا إضافات.. المزارع وحده يغني مع وردي وقبضت الريح.. حتى تأمين شيكان لا يهمه المزارع وفي كل مرة يجد حجة تُخرج المزارع من التعويض، البنك الزراعي وحده هو من تضمن له شيكان حقه. بعد الدخول للموقع ترى هذه الوظائف المعلَن عنها موصوفة بدقة كبيرة كل وظيفة لها وصف محدَّد ما المطلوب من شاغلها وما هي مؤهِّلاته ومن المسؤول عنه ومكانه وعلاقته بالعملية الإنتاجية.
هل سيكون الموسم المقبل هو موعد الإقلاع؟
سيكون بشروط منها ضمان تحديث الري، فالمشروع الآن يهزمه الري، كل مرة نسمع العطش و«دخلت» الطلمبات الساحبة في السنوات الأخيرة بصورة لافتة للنظر هذا إن لم نقل مزعجة حساً ومعنىً.. كما علينا كمزارعين أن لا نقرِّر في المساحات المزروعة ولا نطالب بالرجوع للدورة القديمة رباعية أو خماسية فهذه مسؤولية الخبراء القادمين الجدد فهم الذين يقرِّرون المساحة التي يجب أن تُزرع؟ وبماذا تُزرع؟ ومتى تُزرع؟ وكيف تُزرع؟ وكم ستكون نتيجة كل محصول إذا ما طبّقنا كل ما حدّده الخبراء بدقة.
أتمنى أن تختفي حكاية (زرعنا مساحات مقدرة من الفول) أو عبارة (وستكون النتيجة جيّدة بإذن الله)، الاحتجاج هنا ليس على بإذن الله وإنما على إنشائية الجمل، نريد جملة مثل: المساحة المزروعة من القطن هي 369321.2 فدان وستكون إنتاجية فدان العينة بركات 12.4 قنطار.. أي كل شيء محسوب ومعروف النتائج.
عندها سينسى السيد علي محمود حاجة اسمها بترول.

ماذا يفعلون لأبيهم

كانوا عدة إخوة في غاية الأدب وحسن السلوك، الكل يسلِّم عليهم باحترام ويقابلهم من يقابلهم وكلهم خوف ووجل من أن يعيِّرهم أحد بصنيع أبيهم. أبوهم رجل شجاع وشهم ولكنه عندما يعاقر الخمر وكثيرًا ما يعاقرها لا يستطيع أن يمسك لسانه يشتم هذا ويسيء لهذا وفي كل مرة يعاقر فيها الخمر يدخلهم في حرج شديد يتعبون أياماً كثيرًا ليعتذروا لهذا ويعتذروا لذاك ممن أصابهم لسان والدهم ويكلّفهم محو أخطائه الكثير من الجهد والمال والوقت.
ومن أدبهم لم يستطع أحد منهم أن يقول لوالدهم يا أبتي اتقِ الله في نفسك وفينا، فعمرك لا يسمح لك بشرب الخمر والتفوه بمثل هذه الألفاظ، وفي كل مرة يقرأ أبوهم ما في عيونهم ويعتذر لهم  عن الحرج الذي أدخلهم فيه ويعدهم بأن تكون هذه آخر مرة.
حاول الوالد كثيرًا أن يضبط نفسه ولا يحرج أولاده ولكن ضعف النفس الإنسانية يغالبه كل مرة. هنا لم يحتمل الولد الكبير وجوده في مجتمع يعيره بأبيه فهاجر وترك له البلد برمتها حتى لا يَرى ولا يُرى.. الآخرون ظلوا بالقرب منه منهم من يحاول أن يصارحه بأن يكفَّ عن هذه العادة الذميمة ولكن الحياء يمنعهم. دعونا نبحث عن علاج آخر، ماذا لو قلنا لأبينا نحن على استعداد أن نحضر لك «الهباب» هنا واشرب في ستر لا تشمت فينا الجيران ومارة الشارع. ولكن هذه أيضاً لم يستطيعوا أن يفعلوها ووالدهم في غيِّه وفي كل مرة يستصغرهم ويعلو عليهم لم تهزمه السنين ولا الدروس السالبة.
قالوا يا عالم امتد ضرر عادة أبينا  لغيره وما عاد الأمر خاصاً به وترتب على ذلك آثار اجتماعية أخرى لم يكونوا يحسبون لها أي حساب. ما عاد يزورهم أحد في بيتهم ولا يستطيعون أن يزورا أحدًا فأصابتهم عزلة مردها فعائل أبيهم، حتى احترام الآخرين لهم قلَّ وصار بعض الذين كانوا يحترمونهم بمعزل عن فعائل أبيهم تخرج منهم الكلمة والكلمتان.
شعر الأب بكل هذا وفكّر في علاج الأمر بطريقة أخرى ليست اعتزاله الخمر  ولكن بدا في تحسين صورته للمجتمع ليمسح عاره. قرَّب إليه من لا وزن لهم وصار يغدق على الفقراء ليقفوا معه ويدخلوا داره ويخرجوا منها حتى يحسّنوا صورته وصورة بيته أمام الناس، ولكن العقلاء وقفوا بعيداً بعيداً يفكرون في علاج ناجع.
أخيراً شخصَّ الأطباء الحالة بأنها حالة إدمان سيكلف علاجها كثيراً.

عابدين مظلوم من شيكان


لبعض البدو في الخليج أسماء نستغربها. وكان من بين تلاميذي تلميذ اسمه براز.. واستنكرنا الاسم ونظرنا اليه باستغراب كيف يسمى هذا الاسم؟ولكن رد التلميذ على استغرابنا وقال: يا أستاذ ما هو اللي على بالك وإنما براز الحرب.
وأقول عابدين اليوم وشيكان اليوم ليست اللي على بالكم، وإنما هذا عابدين آخر وشيكان أخرى. اتصل بي عابدين الحاج عبد الله عدة مرات يريد مقابلتي، وكان في اتصاله صعوبة لكلينا، ويوم طلب موعداً نلتقي فيه تمنيت أنني لم أحدد الموعد، ولو كنت أعلم أنه في هذا العمر لذهبت إليه بنفسي في بيته. شيخ تعدى الثمانين يمشي بصعوبة ويسمع بصعوبة أكثر. هذا الشيخ من عشر سنوات مظلوم من محلية شيكان. واليكم القصة.
منح هذا الشيخ في عام 2000 م قطعة أرض في سوق الصالحين بالأُبيض ليشيد عليها «زريبة حطب» مساحتها 300 م م، وبدأ في إجراءات استلامها خطوة خطوة، وقبل أن تكتمل الإجراءات استولى على القطعة أحد الضابط الإداريين لمصلحته الخاصة وباعها بمبلغ 23000 جنيه «23 ألف جنيه»، ومنذ ذلك اليوم وعمنا هذا إن لم نقل جدنا يتردد على حكام ولاية كردفان منذ ولاية أبو كلابيش إلى ولاية معتصم ولا نتيجة. ويقول إن الذين يعرفون قصته يحاولون عرقلة وصوله للمسؤولين حتى لا تنكشف قصة استيلاء الضابط الإداري.
القضية من الناحية الإدارية فساد ذمة يجب أن يؤدب فاعله، ويُخرج من هذه المهنة المرتبطة بمعايش الناس، وحتى لا يلوث سمعة نفر نعزهم هم الضباط الإداريون الذين جعل منهم قانون الحكم المحلي حكاماً بلا أموال ولا سلطة.
وسأحكي قصة:
للأمير نايف وزير داخلية المملكة العربية السعودية يوم لمقابلة الجمهور، يتقدمون فيه بطلباتهم وشكاواهم. أحد زملائنا المعلمين كانت أسرته تقيم في الرياض وأمه هنا بالسودان، وعزَّ عليه ذلك وأراد أن يجمع شمله ليبر أمه. وكان الاستقدام للمملكة صعباً جداً في ذلك الزمان. وذهب صاحبنا إلى مجلس وزير الداخلية، وكان السوداني الوحيد في المجلس بزيه الذي لا تخطئه عين. وبه بدأ الأمير قائلاً: الأخ السوداني ويش عندك؟ قال: سمو الأمير إن هو حق أريد حقي وإلا تفضل به عليَّ.. أريد استقدام أمي. ابتسم الأمير ومن حوله وقال أبشر، واستقدم أخونا أمه.
يا والي كردفان ما أحسبك أقلَّ كرماً من الأمير نايف، فإن كانت الزريبة حقاً اغتصب منه فرد له حقه، وإلا فتفضل عليه بها، وما أوسع الأرض في سوداننا هذا. ولكن قول الشاعر: لعمري ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق
والله لو والي الخرطوم يدق صدره ويقول ليه الأبيض هذا جاء عندي فقطعة أرضه عليَّ، أكون سعيداً في غاية السعادة.
الواليان معتصم وعبد الرحمن أكرما هذا الرجل في آخر عمره وأريحاه أراحكما الله.