الثلاثاء، 27 أغسطس 2013

بنك السودان على الخط

  الإثنين, 26 آب/أغسطس 2013 

الأخ الكريم/ أحمد المصطفى إبراهيم،
عطفاً على مقالكم بتاريخ 19 أغسطس بجريدة «الإنتباهة» بعمود «استفهامات» بعنوان «التمويل الأصغر، «كده صاح»،  ورد الدكتور علي محجوب عطا بتاريخ 22 أغسطس بعنوان «التمويل الأصغر بعيون جديدة» يسرني أن أدلو بدلوي في هذا الموضوع المهم  لمصلحة القارئ. أبدأ بمقولة بروفيسور محمد يونس مؤسس تجربة «جرامين» والحائز على جائزة نوبل للسلام إن القضاء على الفقر يتطلب فقط تغييراً في «مؤسساتنا» و«سياساتنا»، وأن الناس يمكن أن يغيروا من طريقة حياتهم إذا كانوا يجدون التمويل من مؤسسات تعمل بصوره صحيحة ومربحة. لذا اتفق معكم بأن تجربة مؤسسة الجزيرة من التجارب الجيدة الرائعة التى غيرت في تفكيرها وسياساتها وفهمت كيفية تسخير التمويل الأصغر لخدمة القطاعات الإنتاجية حسب الميزات النسبية لهذ الولاية الرائدة في العمل الزراعي، كما اتفق أيضاً مع ما جاء في مقال الدكتور محجوب بأنه ليست هنالك مشكلة في الموارد بل في طريقة تسخيرها للتخفيف من حدة الفقر وتوفير فرص العمل، حيث أن المستغل من موارد محفظة التمويل الأصغر المصرفية لم يتجاوز  نسبة «42%» مما هو متاح من المحفظة المصرفية للتمويل الأصغر، وإن قيام وكالة ضمان التمويل الأصغر بالجملة أتى كآلية ضمان للاستفادة من بقية النسبة المقررة عبر تمويلات من المصارف لمؤسسات التمويل الأصغر التي لا تقبل الودائع خصماً على نسبة الـمحفظة المخصصة للتمويل الأصغر.
أداء هذه المؤسسات في مجملها جيد ونسبة زيادة عددها بلغ  نحو «80%» بين منتصف 2012 ومنتصف 2013 حتى بلغ إجمالي عددها «18» مؤسسة حاليا، «78%» منها خارج ولاية الخرطوم مما يعطيها بعداً ولائياً. فضلاً عن أن أداءها في نسب تعثر العمليات أفضل من المتوسط العالمي، وأن عدد المستفيدين من خدمات هذه المؤسسات نما بنسبة أكثر من «200%» في الفترة بين  النصف الأول من الأعوام «2012- 2013» ووصل إلى  نحو ربع مليون عميل قائم في يونيو 2013، بينما نمت تمويلاتها بأكثر من «100%» في نفس الفترة.
تجربة التمويل الأصغر بمؤسسة الجزيرة، كغيرها من التجارب الناجحة في كثير من مؤسساتنا العاملة في التمويل الأصغر والقائمة حالياً على المستويين الولائي والمركزي، عملت بمقولة إن امتحان بداية المشروع واستمراريته بدون مساعدة هو أكبر دليل على نجاحه، فضلاً عن حسن إدارة ومتابعة المؤسسة لعملياتها والتشديد على أن التمويل الممنوح هو نشاط تجاري بشروط ميسرة وليس منحة، لذا فقد كان المردود على الإنتاج والإنتاجية العالية والجهة المستهدفة، وكذلك على المؤسسة في شكل عائد جيد يضمن استدامتها مردوداً واضحاً للعيان، إلا أنه يحتاج فقط لتوسيع قاعدت انتشاره، ولكن بنفس هذه الأسس الجيدة.
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم إبراهيم،
رئيس وحدة التمويل الأصغر
بنك السودان المركزي
تعليق الاستفهامات:
شكراً جزيلاً بروف بدر الدين على هذه المعلومات المطمئنة والقواعد بخير والأرض معطاءة والماء والحمد لله في الأرض وفي السماء ووراء الخزانات. ونسأل الله أن تكفر محفظة التمويل الأصغر ذنب محفظة الزراعة في التسعينات التي أفقرت المزارعين وكرهتهم في الزراعة وعادت إلى التمسايح.
يبدو أننا «مسكنا الدرب» فخير الزراعة بشقيها هو المخرج وأي جنيه يصرف عليها سيعود خيراً كثيراً، والزراعة محرك اقتصاد قاعدي. فقط الثقة والتطوير والانضباط، وما دام على رأس الأمر مثلكم ود. المتعافي مقتنع ومؤسسة الجزيرة للتمويل الأصغر، نستبشر خيراً. وفق الله الجميع للنهوض بالزراعة.
بريد:
كثرت الشكوى من «4848» بلاغات الكهرباء. أليس هناك من يراجع هذا التردي في هذه الخدمة؟

الاتصالات والمواصلات

  الأحد, 25 آب/أغسطس 2013

مخطئ من يظن أن الاتصالات هي التواصل الصوتي فقط، أي الحديث بين طرفين ولا يهمنا درجة أهمية هذا الحديث. أي حديث عن ثورة الاتصالات يجب أن يُربط بسؤال أي فائدة جنيناها منها وأين مكمن عدم الفائدة منها؟
إذا ما استخدمنا هذه الاتصالات استخدامًا صحيحًا لما كانت هذه الشوارع والطرق تعج بهذه المركبات. كثير من هذه المركبات تحمل أناسًا لأغراض يمكن أن توفرها الاتصالات، وذلك لا يتم إلا بمجهود لنشر فائدة الاتصالات.
مازال استخدام الإيميل ضعيفًا وذلك لعدة أسباب بعضها يمكن أن يفرض فرضًا وبعضها يعالج بالتدريج. لا يُعقل أن تتحرك سيارة أو موظف من وحدة إدراية لرئاسة المحلية لتوصيل خطاب أو تقرير أو أي مكاتبة وبنفس القدرة الاتصال بين المحلية والولاية والولاية ومؤسساتها. عدم استخدام الإيميل في المكاتبات ضياع جهد ومال ووقت وكلها موارد يجب أن يحافَظ عليها.
هذا مما يفرض بالأمر متى ما ضُبط موظف يحمل ورقة مسافر بها بين مدينتين يجب أن يُعاقَب أو ألّا تُستلم منه ويعود من حيث أتى ويعلم كيف يرسلها بالإيميل وإن كررها يُفصل ويحل محله من يجيد استخدام الإيميل.
والذي يحتاج لرؤية مثل التقديم للحج والذي نجمت عنه كارثة حجاج القضارف هذا يجب أن يأتي من عل، مثلاً تصمِّم هيئة الحج والعمرة التي أدمنت التخلف والفشل وعلوق الشدة أن تصمِّم موقعًا يقدِّم عبره كلُّ من يرغب في الحج ولعشر سنوات قادمة مثلاً وتحدد أولوية الحجاج عبر البرنامج حتى لا يحج أحدهم عشرين مرة وآخر لا يحج أبدًا ولعدة أسباب لا داعي لذكرها، لها يوم آخر. وإذا ما أتقن هذا العمل ولم يلتفت من ولي أمره لقول خاملي الفكر الذين يعيشون على التخلف متحججين بعدم انتشار الإنترنت أو استخدامها إذا فعل ذلك سيوفر عدالة يباركها الله ويقلل جهدًا وتعبًا لا معنى لضياعهما سدى. هذا وإذا ما قُرن تسديد رسوم الحج بحساب بنكي موحد تسدد عبره الرسوم من أي مكان في السودان ولا تحمل كما كوم المرارة وتسلب وتنشل في أقرب ركن أو زحمة سنكون وفَّرنا آلاف الجنيهات وعشرات الأيام وخففنا الطرق والمدن من زحمة لا معنى لها. الحج هنا مثالاً ومثله عشرات الخدمات يمكن أن تقدَّم من البيت عبر الإنترنت فقط تريد همة وممارسة ليست عسيرة على جيل اليوم.
 أما الذي يحتاج إلى تدرج فهو بعض المسؤولين هداهم الله يعتبرون سؤالك عن إيميله أو إرسال رسالة له عبر الإيميل فيها تقليل من مكانته ودائمًا ما تجد عبارة تعال لي بس انت تعال ومعاك الخطاب. يا أخي عايز بي شنو؟ ما الخطاب يمكن يجيك بالإيميل وخلاص. وربما يجهل كثير من الإداريين استخدام الإيميل ولكن يجب أن يُفوِّضوا إن هم عجزوا سكرتاريتهم.
طلب مني مسؤول بعد أن بدأنا نقاشًا في موضوع هام طلب أن آتيه في مكتبه لنكمل، قلت له يا أخي الدخول إلى مكاتبكم صعب ودونه متاريس بالله لو عرفت إيميله أو لو أعطاني كرته لشرحت ما تبقى من نقاش ولم أستطع تلبية الدعوة إلى يومنا هذا خوفًا من أسئلة انت منو؟ عايزو لي شنو؟ وعندك موعد؟ وبعد أن تجيب عن كل هذه الأسئلة يقول لك السيد الوزير في اجتماع أو قال اليوم ما عايز يقابل أحد عنده تقرير يعده لجهة عليا مثلاً أو الوزير مسافر.
ما لم تخفف الاتصالات المواصلات فنحن أمة طق حنك وسفيهة تضيِّع أموالها في ما لا فائدة منه.
اليوم استعرضنا خدمة الإيميل فقط كفائدة معطَّلة يجب تنشيطها. وقد نتطرق لخدمات أخرى يمكن أن تقلل المؤتمرات وتُخلي القاعات وتقلِّل الأكل والشرب والبنزين. ما لم يكن هناك مستفيدون من التخلف يقاومون.
أخيرًا دعونا نشكر شركات الاتصالات التي ما بخلت على مواطنها بخدمة إلا أدخلتها زين وسوداني مثالاً وتركت ما تبقى على المستهلك.

المعلمون وتحدي الصعاب

 السبت, 24 آب/أغسطس 2013

قبل ثلاثة عقود تقريباً لم تكن المملكة العربية السعودية كما هي اليوم، وكان جنوبها، كعادة «الجنوبات في كثير من الدول العربية»، أكثر تخلفاً. وفي قرية من قرى الجنوب السعودي مدرسةٌ كلما وجه لها مدرس جاء بعد زيارتها رافضاً العمل فيها ولو أدى ذلك لإنهاء عقده وإرجاعه إلى بلده الذي منه أتى، وكان معظم المدرسين في ذلك الزمان من فلسطين ومصر والسودان «الترتيب على حسب الكثرة».
 وفي مطلع عام دراسي وجهت إدارة التعليم لتلك المدرسة عدداً من المدرسين وعادوا أعقابهم يرفضون العمل فيها، وجاء للإدارة معلمون سودانيون، وقالت الإدارة فلنجرب لعل وعسى أن يرضى السودانيون بهذه المدرسة، فوجهوا مدرسين اثنين من قدامى المعلمين لتلك المدرسة، وذهبوا ولم يعودوا كما جرت العادة مع الجنسيات الأخرى.
 وبعد عدة شهور قرر مدير التعليم أن يذهب ويرى بنفسه ما خبر هؤلاء السودانيين. ويا لهول ما رأى وسمع، فقد وجد هؤلاء المعلمين لم يتركوا في يومهم فراغاً وصاروا يدرسون الأطفال صباحاً ويمحون أمية الكبار، ويعلمون النساء ما فاتهن من فقه وتعاليم صلاة، وعلموا الشباب لعبة كرة القدم، وصارت القرية كلها كخلية نحل لا فراغ ولا وقت للبكاء على ما هم فيه من بعد المكان وبعد الاسواق وملذات الحياة. ولم يقارنوا بغيرهم واعتبروا أنفسهم أمام تحدٍ لصعاب هم أهل لها، وما كانوا يرجون شكراً من إدارة التعليم وما فكروا في عائد مادي. ولكن مسؤول التعليم شد على أيديهم وثمن جهدهم واعتبر كل الشهور التي قضوها براتب آخر يسمى «الليلية» وهي محو أمية يختار له بعض المدرسين ويفضل فيه السعوديون على غيرهم ليضاعف لهم راتبهم نظير العمل الليلي.
 وهذا مثال جيد لتحدي الصعاب، وإذا ما سمعت مسؤولاً يتحجج بقلة الإمكانات ويجلس واضعاً يداً على خد يسب من جاء به الى هذا المكان ويده لا تفتر عن كتابة الخطابات والطلبات ولم يحرك ما بيده أو ما هو متاح اليه ينتظر الحلول الجاهزة، فلا ترجى منه خيراً، وأنت أمام رجل غير مبدع ولا خلاق وما أكثرهم.
تذكرت هذه القصة بعد أن قرأت بالأمس لصديقي د. عبد الماجد «ثالثة الأثافي» على يمين هذه الصفحة، التي تحدث فيها عن المدرس الذي جعل من المدرسة حديقة وغابة خضراء في قرية لا بئر فيها، وكيف كان يطلب من كل تلميذ أن يأتي بزجاجتي ماء من بيته للمدرسة.
في كلا الروايتين البطل أو الأبطال مدرسون «وهنا يأتي الانحياز العلني للمهنة بلا أدنى خجل»، وهل مازال هذا الصنف من المدرسين موجوداً أم قلت فيهم البركة والغيرة والريادة ككثير من الموظفين؟ وهل سبب هذه البطولات التأهيل على تحدي الصعاب؟ أم الفطرة السليمة والاندماج مع المجتمع الذي كان مغلقاً هي ما تولِّد هذه المبادرات؟ وهل التواصل والقنوات والاتصالات وانتشار المعرفة قللت من الاندماج وانعدمت المبادرات الفردية؟ هل وسائل الاتصال الحديثة جعلت الناس في شوق للتساوي، وعندها تكون الحاجة للقدوة الحسنة خير المرمى الذي منه تنطلق المبادرات، وعندما انعدمت القدوة الحسنة وكثر التهافت على الدنيا ضُيعت الآخرة؟
فلنبدأ من القواعد، فقد شبعنا تنظيراً بلا تطبيق في كل شيء، فلتكن البداية من قواعد المجتمع.

التمويل الأصغر بعيون جديدة

  الخميس, 22 آب/أغسطس 2013

عندما تأتيك رسالة ممنْ له دكتوراة في التنمية الاقتصادية تشيد بالتمويل الأصغر وتشيد بما كتبناه عن التمويل الأصغر، لا تملك الا ان ترفع قبعتك وتنحني كما يفعل الخواجات؟ إليكم هذه الرسالة المسؤولة وشكراً د. علي محجوب عطا المنا وكيل وزارة السياحة والآثار والحياة البرية.
الأخ الكريم/ أحمد المصطفى إبراهيم
سلام الله عليك
 وبعد، فقد طالعت مقالكم المهم جداً في عمودكم المقروء «استفهامات» بصحيفة «الإنتباهة» بتاريخ الاثنين 19/أغسطس/2013م بعنوان التمويل الأصغر «كده صاح»، وأحمد لكم اهتمامكم بمتابعة نتائج ما تكتب وما تقترح. وتبين أن ما يخطه يراعك ليس أداءً للالتزام المهني بالكتابة اليومية، بل هو التزام وطني وفكري وأخلاقي بقضايا الوطن والمجتمع. وأتابع باهتمام كبير ما تكتب أنت والأخ الصديق البروفيسور عبد اللطيف البوني حول مشروع الجزيرة، وأنا لست من سكان الجزيرة أو مزارعيها،  وذلك لما نعلمه ويعلمه الجميع من التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمشروع ودوره في حياة المجتمع السوداني، ودعمه لموازنات الحكومات المتعاقبة إلى ما قبل سقوطه الأخير.
وأنا على قناعة تامة بأنه ليست في السودان مشكلة موارد إطلاقاً، وإنما تكمن العلة في كيفية إدارة تلك الموارد بالرؤية العميقة والتخطيط السليم. وما أثرته في مقالك حول توظيف تجربة التمويل الأصغر في ما هو أكثر فائدة انما هو ضوء في نفق الضياع الذي «حُشر» فيه ذلك المشروع العملاق مبنى ومعنى. التمويل الأصغر فكرة خلاقة لدعم الإنتاج وتوفير فرص العمل، ولكنه يكون أكثر فائدة إذا تم توظيفه لدعم القطاعات الإنتاجية القائمة التي كشفت عنها تلك التجربة المدهشة في مشروع الجزيرة، فتلك التجربة جعلت لنا أملاً في أنه من الممكن الإصلاح والنجاح إذا توفرت شروطه. والمساحة التي قامت عليها التجربة كانت محدودة والرجال الذين نفذوا تلك التجربة ربما كانوا فريقاً متجانساً آمنوا بفكرة النجاح وقبلوا التحدي وأخلصوا النية، فكان توفيق الله تعالى حليفهم. واقترح أن يكون التوسع في المساحة بذات قواعد التجربة وحيثياتها بالتدرج، وأن يتأكد القائمون عليها بتوافر شروط النجاح في كل خطوة، لأن التجربة مع حداثتها تحتاج إلى التركيز. وتحتاج إلى ذات الصنف العنصري البشري وذات التصميم والإرادة والعزم على النجاح. وتحتاج إلى تدريب العناصر البشرية الجديدة على التجربة وعوامل نجاحها والايمان بمقاصدها، وتحتاج إلى قرار حاسم ليوقف تعارض المصالح الشخصية مع المصلحة العامة، واعداء النجاح كثيرون. والأستاذ إسحاق أحمد فضل الله يكتب كثيراً عن وأد التجارب الناجحة ومصلحة البلاد والعباد فوق الجميع.
كاتب هذا المقال أحد المهتمين بقضايا التنمية الاقتصادية في السودان ومشكلاتها وكيفية النهوض بها، وقد استشعر الآن رجاءً في القلوب أن يتعافى ذلك الصرح الشامخ ويعود عطاءً ورخاءً، وتمنى ذلك لأهل الجزيرة واقتصادها ومجتمعها، وقد كشف لنا مقالك المخبوء عن ذلك النجاح الواقعي والعملي بعيداً عن التنظير الذي لا يشخص العلل على حقيقتها فيكون العلاج غير مناسب للمرض. وواضح جداً من تلك التجربة أن المشكلة تمكن في الإنسان ومدى جديته وإرادته وتصميمه وعزمه على النجاح، واتباع كل وسائله بتجرد بعيداً عن كل ما يكون سبباً للفشل.
وأكرر سعادتي بذلك النجاح لأنه أعطانا أملاً في المستقبل، وأتمنى منك المتابعة والتقويم، وستكون تلك التجربة إماماً يقتدى في أعمال أخرى.. ووافر شكري وعرفاني لأولئك الجنود المجهولين القائمين على أمرها.
د. علي محجوب عطا المنان
دكتوراة في التنمية الاقتصادية

الجامعات والكليات العشوائية

  الأربعاء, 21 آب/أغسطس 2013

في منتصف يونيو الماضي خرجت علينا وزارة التعليم العالي بإعلان يحذِّر الطلاب وأولياء أمور الطلاب من الالتحاق بجامعات وكليات غير معترف بها من قبل وزارة التعليم العالي، ولن تعتمد شهاداتهم بكل أصنافها دبلوم، بكالريوس، وما فوق. وانتقدنا ذلك الإعلان نقداً لاذعاً وقلنا إن هذه الجامعات ليست تحت الأرض ولا تدرس الطلاب بعد الثانية عشرة ليلاً، ولا بد أنها معروفة لوزارة التعليم العالي. وقلنا إما هناك خلل في قانون وزارة التعليم العالي أو ضعف في تطبيقه، ومثل هذا الإعلان لا يكفي، وعلى وزارة التعليم العالي إما أن تسمي الجامعات والكليات المعترف بها أو تسمي الجامعات والكليات غير المعترف بها وأسباب عدم الاعتراف.
وفي هذه الأيام والعام الجامعي في مطلعه لا تخلو صحيفة من عدة إعلانات لجامعات أو كليات تعرض بضاعتها على الطلاب ليلتحقوا بها. لذا نرى أن على وزارة التعليم العالي وفي هذا الوقت بالذات وفي كل عام، أن تنشر يومياً الجامعات والكليات المعترف بها في قائمة واضحة في كل وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، وبعدها لا تُلام إن هي رفضت اعتماد شهادات جامعات أو كليات لم يرد اسمها في قائمتها. وليس هذا الأمر بالعسير ولا الغريب ما لم يكن هناك ضعف في هذه الوزارة في مكان ما. أما أن تجلس الوزارة بلا تبصير وتوضيح وتنتظر إلى أن يقع الفأس على الرأس ويدرس الطالب أربع أو خمس سنوات ويدفع الملايين ويتخرج وأمه تزغرد وأبوه يبشر وأقرباه يهنئون وربما على صفحات الصحف، وتأتي وزارة التعليم العالي وتقول له شهادتك بلها وموصها واشرب مويتها... معقولة بس؟!
ولا بد من نشر الجامعات والكليات المعتمدة والمعترف بها في التعليم العالي على الملأ حتى لا تلام وزارة بهذه الأهمية وتتهم بالدغمسة.
شكراً جزيلاً أيها البروف حسن عباس
والشيء بالشيء يذكر فقد نشرنا قبل يومين موضوعاً بعنوان «ألا يستحق هذا الأب التكريم» ذكرنا فيه قصة الأخ محمد حامد بلول الذي جاء من الاغتراب براً بوالدته وعلم بنتيه في البادية حيث تنعدم معظم مقومات الحياة ودرسهن المرحلتين ودخلن بنسبة 81% و79% جامعة ام درمان الاسلامية. وناشدنا الأخ مدير الجامعة الإسلامية أن يقدم لهن على الأقل القبول مجاناً. وبالأمس اتصل علينا الأخ البروف حسن عباس مدير الجامعة الاسلامية مشكوراً مستجيبا لما طلبنا، وزاد كيل بعير، وكل ما نقترح هو مستعد له. «أمانة ما بلد فيك خيرون أو كما قالوا بلد الخير والطيبة». وننتظر عون الصندوق القومي لرعاية الطلاب ووعدوا خيراً جزاهم الله عنا كل خير.
ومازال الباب مفتوحاً، وهذه من عندي ولم يطلبها مني الأستاذ أحمد صالح كاتب الموضوع ولا والد الطالبتين، فكل من يرى أنه يمكن أن يكرم هذا الأب فليفعل ولو بإدخال الكهرباء والماء لتلك البقعة من بادية الكبابيش. وذلك قبل أن نرى سقيا شمال كردفان قاطبة من النيل الأبيض.  وأسأل الله أن يمد في أيامي إلى أن أرى هذا حقيقة ماثلة للعيان. وهل طلبنا مستحيلاً يا أحمد هارون؟!

في محكمة زواج المثليين!

  الثلاثاء, 20 آب/أغسطس 2013

ما أجمل أن تدخل محكمة وأنت لا مدعي ولا مدعى عليه ولا شاهد. هذا ما حدث لي نهار الأحد بدعوة من مولانا ماجد محمد مبشر قاضي محكمة محلية الخرطوم الذي حكم في القضية التي سمتها الشرطة زواج مثليين بشارع النيل وجعلناها عنواناً نشر بتاريخ الأربعاء14 أغسطس 2013 م.
يومها أوردنا خبر «الإنتباهة» الذي مصدره الشرطة فقط، والشرطة والنيابة والمحكمة هم أركان الفصل في القضية لا يكفي واحد دون الاثنين، هذا ما تعلمناه أخيراً. بعد نشر الموضوع وجدت مذكرة فيها اسم وتيلفون مولانا القاضي يطلب أن نتصل عليه وقد كان، وطلب بلطف الحضور إليه لشرح الأمر كاملاً ، وحددت الأحد للقائه وقد كان.
قال مولانا ماجد إن المتهمين من دولة مجاورة صديقة ومن قبيلة من عاداتها أن لا تسلم العروس للعريس إلا بعد سبعة أيام من الزواج وفي هذا الأثناء يقومون بعمل تمثيلية حيث يلبس أخو العروسة ملابسها ويقدمون عرضاً كأنه عرس هذا ما أثبته الشهود بعد القسم على المصحف وجاءوا بكبار قبيلتهم الموجودين بالسودان وأثبتوا صحة هذه العادة في بلادهم. لذا لم يكن هناك زواج مثليين ولا يحزنون، وحتى لو كانوا مثليين إنه لم يتم. فقط الذي تم تصوير داهمته الشرطة. والغرامة نسبة لأن  التمثيلية كانت في مكان عام.
«جبدت نفساً طويلاً وقلت الحمد لله رب العالمين» وطرحت السؤال التالي تقول الشرطة إنهم متسللون وليسوا مقيمين إقامة شرعية لماذا لم تحكم بإبعادهم؟؟ قال مولانا: إنهم مقيمون، أحضروا جوازاتهم وعليها كل ما يثبت دخولهم بصفة رسمية وإقامتهم.
وبعد جلسة ممتعة بعد أن علمت أنه من الرباطاب وقلت أين طُرف وملح الرباطاب من جدية القضاء وصرامته. وكأني به يقول أقلب الصفحة وسرح بنا في طرف وظرف الرباطاب الذي أماتنا من الضحك.
شكراً مولانا ماجد وفقك الله في قضائك وما أصعبها من مهنة.
هذه المرة الثانية التي أتمنى أنني لم أكتب ما كتبت، الأولى كانت يوم كتب لي أحد عمال المنطقة الصناعية أم درمان  يقول إن مديرة إحدى المؤسسات العامة منعتهم من الصلاة في مسجد المؤسسة ومنعتهم صلاة الجمعة ولا مكان ولا خيار لهم إلا هذا المسجد. وانفعلت وكان في شهر رمضان قبل الماضي وكتبت حديثاً صعباً بعد أن تخيلت المنع جاء من قلة دينها أو تسلطها. وبعد ذلك زرت المؤسسة في غيابها ووجدت المسجد في مكان لا يسمح بفتحه للعامة وهو مسجد صغير يتوسط المؤسسة وليس مطلاً على شارع. وكتبت «لو كنت مكانها لأغلقت المسجد» واعتذرت لها وقبلت العذر ولم نلتق إلا بالهاتف.
الدرس المستفاد رغم كثرة قراء الموضوع في الانترنت لجاذبية العنوان الذي شببه أحدهم بـ «عض الرجل الكلب» ألا نكتب في قضية قبل أن تكتمل أركانها، وأركان القضية كما أسلفنا شرطة ونيابة وقضاء.
بالمناسبة لو عرف أخونا د. عبد الماجد عبد القادر هذه المحكمة ومن هم روادها لكانت كل موضوعاته من هناك ويعقب كل مقال بعبارة ما قلنا ليكم يا أخوانا.
شكراً لكل الذين داخلوا بالهاتف والإيميل والغيورين على الأخلاق.

الثلاثاء، 20 أغسطس 2013

التمويل الأصغر: كده صاح!

  الإثنين, 19 آب/أغسطس 2013

من مشكلات الزراعة وخصوصاً في مشروع الجزيرة مشكلة إسمها التمويل، فقد جربت الحكومة عدة طرق لتمويل الزراعة كانت دائماً تصب في غير ما خُطط له أو أضرت أكثر مما أصلحت، كتلك المحفظة في تسعينات القرن العشرين التي كانت بفوائد «37.5 %»  وكرَّهت الناس الزراعة.
في قاعة الصداقة في 5/6/ 2011 عقد منتدى تقويم النهضة الزراعية في سنواتها الثلاث الماضية. قدمت أوراق شرحت ما كان في السنوات الثلاث، ومعلوم ان برنامج النهضة الزراعية بدأ في 2008 م. في ذلك اليوم دُعيت كصحفي ولكنني لبست قبعة المزارع وطالبت في مداخلتي أمام النائب الأول أن يوجَّه التمويل الأصغر للزراعة بدلاً من الركشات والبقالات، فالمزارع إن وجد «3» آلاف في بداية الموسم بعد سنتين لن يحتاج لتمويل قط وسيموِّل نفسه بنفسه.
فرحتي كانت كبيرة يوم رأيت الفكرة على أرض الواقع، فمنذ سنتين تقريباً بدأت مؤسسة التمويل الأصغر في ولاية الجزيرة بتمويل الزراعة وبطريقة ممتازة إدارة وإشرافاً وتحصيلاً. ما كنت أعلم كثيراً من تفاصيلها إلا يوم التقيت مديرها الأخ عاطف حجر في مناسبة اجتماعية ومدَّنا بمعلومات مفرحة مثلاً: في الموسم الماضي موَّلوا «7000» فدان وعندما نقول موَّلوا لا يخطر على بالك أنهم أعطوا المزارعين مبالغ وانتظروا سدادها في نهاية الموسم تأتي المبالغ أو يقاد المزارعون للسجون كما يفعل صاحبنا..... لا لا هؤلاء ما كانوا يعطون المزارعين أموالاً ولكن يقومون بالتحضير وإحضار التقاوى وزرعها بزراعات ويأتون بالسماد ولا يرمونه عند «التقنت ويذهبون» ولكن يشرفون على نثره بآلات وكل ما يمكن أن تقوم به المؤسسة لصالح المزارع وعلى المزارع الرعاية والسقاية والإشراف، وفي النهاية لا يقاسمونه الأرباح ولو طلبوا من حقهم ولكن يطالبون فقط بالمبلغ الذي صرفوه. هذه التجربة حلَّت كثيراً من عيوب التجارب السابقة ومنها استهتار المزراع وصرفه للمبلغ في غير ما أراده له المموِّل، ومنها ذهاب كل التمويل للقطط السمان. الآن الفائدة مباشرة ويقولون إن نتائج هذه التجربة على قمح الموسم الماضي، رغم صغر المساحة بالنسبة لمساحة المشروع، إلا أنها خريطة طريق أقنعت كل من وقف عليها حتى المتعافي اقتنع بها وأشاد ودعمها بمليارين بالله لما تقنع المتعافي باقي ليك منو؟
النتيجة زيادة في إنتاجية القمح وتقليل التكلفة وهذين أكبر عاملين في زراعة القمح كل مشكلته كانت في قلة الإنتاجية وارتفاع التكلفة والعطش والأخيرة هذه تحتاج وقفة في مرة قادمه بإذن الله.
بعد نجاح تجربة الموسم الماضي طبقت التجربة الآن على «20000» فدان عشرين ألف فدان ذرة، و«4000» أربعة آلاف فدان فول سوداني ومقترح «12000» فدان قمحاً طبعاًَ لم يأت أوانه فهو محصول شتوي وتقاويها جاهزة وأصعب ما في القمح التقاوي والري. يقومون بذلك برأسمال «35» مليار جنيه بالقديم «35» مليوناً بالجديد. وسألناه عن السداد فقال الحمد لله السداد كان بنسبة «99%»، وعلى البنك الزراعي أن يدرس لماذا لا يسدد له الناس وأين يذهب تمويله؟
حتى الآن التجربة تمشي الهوينا وبنجاح هل آليات التمويل الأصغر الإدارية قادرة على تعميم التجربة في كل مشروع الجزيرة؟ هذا سؤال يجب الوقوف عنده ولكن قناعتي أن المزارع لا يحتاج للتمويل لفترة طويلة سنتين على الأكثر وسيقف على رجليه ويودِّع الفقر.
هذا إصلاح الواقع هل يحق لنا أن نتطلع إلى تطوير عبر مؤسسة التمويل الأصغر؟ هل في النية تطوير شمال الجزيرة مثلاً ليكون ممولاً للعاصمة باللبن والخضروات وكل ما تحتاجه؟
أتمنى تجربة واحدة مدروسة دراسة جيدة لنكون أنموذجاً يُحتذى والمحاكاة أول أنواع التعليم. ألا تذكرون كيف علم الغراب قابيل كيف يواري سوءة أخيه؟ فدعونا ندرس تجربة لإدخال الحيوان في الدورة الزراعية هذا الحلم الذي لم يجرؤ أحد على تنفيذه على أرض الواقع ومنذ عدة عقود هو حبر على ورق أو كلام في مهرجان.
هل يدق التمويل الأصغر صدره ويقول أنا لها؟أتمنى ذلك.